هكذا أزف الرحيل، ذات يوم، وهو يوم محدد لكنه ليس بمعلوم... أجل مسمى لا يعلم حلوله إلا الله سبحانه وتعالى... وهكذا عاد يوم الرحيل... قبل عام، لم يكن محفورا في الوجدان! بعد عام أصبح ماثلا حزينا مؤلما، لا ينفك يلوح في الوجدان والمشاعر والأوصال... لكن الأمر كله لله من قبل ومن بعد.
رحلت تلك الإنسان العزيزة، والدتي رحمها الله، ليظلم ركن في القلب وفي أعماق الوجدان،... كما الشمعة كانت، وهل تموت الشموع إلا مضيئة؟... يأفل ضياؤها شيئا فشيئا، يتلوى الشعاع ذات اليمين وذات الشمال فيخفت ساعة نزل القضاء المحتوم الذي لا راد له، فالأجل إن حل، ترحل الروح إلى بارئها.
كم كان الرحيل قاسيا كقسوة ليالي الشتاء القارسة على جسد لا تكسوه إلا كسوة الكفن إيذانا بالرحيل واستعدادا له وتأهبا لوداع لابد من قدوم لحظاته... كم أتمنى أن احتضن تلك الروح التي ما فتئت ترفرف بين جوانحي، لكن يعز علي ذلك... قريبة مني، كنبض لا يتوقف... بعيدة عني، كامتداد المسافات بين المجرات.
كم أحبك يا والدتي، وكم يأخذني الشوق إلى تلك الأيام... حينما كنت وأخوتي نتحلق حول قلب امتلأ حنانا ووداعة... أطفالا كنا ذات يوم، وكنت لنا الأم الرؤوم... كبارا صرنا، وبقيت أنت القلب ذاته... النبض ذاته... الحب والنور والسلام والطمأنينة، وعندما رحلت... لا أدري، هل نسيت قلبك ينبض بيننا، وروحك ترفرف علينا، أم كنت على يقين بأن قلبك وروحك لن يرحلا معك... سيبقيان معنا... أيها الحضن الذي يختزل العالم في دفء... عالمي.
امسحي رأسي يا يمه واهدي قلبي قبلتين
قبلة ترويني بحنانك وقبلة تبقى بعمري دين...
ما أقدر أوصف لك حنيني... حتى لو فاض الحنين
انحني لك... يمه والثم... خطوتك والقدمين
انتي يا يمه شموع تضوي عتمة ظلمتي
من تضميني أشوف بوسط عينك جنتي
ومن أخاف ألقى دعائك... يزيل عني روعتي...
سامحيني من أقصر... سامحيني حبيبتي (من قصيدة للشاعر سعيد محمد)عام مضى على رحيلك أيتها الغالية... سريعا كطرفة عين عادت ذكرى يوم الرحيل، ولكنني استقبلتها بالأحضان، لأجدد عهد الحب معك... فيتجدد في داخلي وميض من العاطفة والحب والسمو والكرامة والإيثار... ودعتك قبل عام، وأحييك اليوم، تحية تتجدد كل عام... رحمك الله يا والدتي.
ابنتك المحبة
(أم أحمد)
العدد 2458 - الجمعة 29 مايو 2009م الموافق 04 جمادى الآخرة 1430هـ