العدد 1315 - الأربعاء 12 أبريل 2006م الموافق 13 ربيع الاول 1427هـ

التعددية الإعلامية في مجتمع فقد انسجامه

من طبائع الأيديولوجيا - أي أيديولوجيا - أنها تكشف وتحجب في آن واحد، وكذا تفعل التغطيات الإعلامية. والوعي بحقيقة «التغطية» هو وعي بحقيقة واضحة اليوم، وهي أننا لم نعد أمام حقائق تنقلها هذه القناة أو تلك الصحيفة نقلاً مباشراً من قلب الواقع إلى أعيننا، بل كل ما هنالك صراع تأويلات وتغطيات بين هذه الأجهزة الإعلامية، وكل جهاز يحشد لتأويله وتغطيته ما أوتي من النفوذ وقوة الإقناع.

وما يؤكد أن الميديا تشتغل بطريقة تأويلية وأيديولوجية أن طرائق عملها في سياق تعددي هي ذاتها طرائق عمل الأيديولوجيا والتأويل في سياق تعددي. فحين تكون هناك أيديولوجيا واحدة مهيمنة فإن تأويلات هذه الأيديولوجيا تكون هي «الحقائق المطلقة». وعندئذ تتطابق الحقيقة مع التأويل، ولكن حين تتعدد الأيديولوجيات في سياق تعددي فلا يعود الكلام عن حقائق بل عن صراع تأويلات في مجتمع فقد انسجامه، أو على الأقل سقطت الأقنعة وأزيحت الأغطية التي كانت تحجب هذا التنوع والتعدد.

وحين تدخل الميديا في سياق إعلامي تعددي فلا مجال للكلام عن «حقائق مطلقة»، بل عن صراع تأويلات إعلامية، وينتصر في هذا الصراع من يمتلك أسباب القوة الإعلامية، وكما في السابق فإن المنتصر في الميديا هو من أوتي القدرة على تمثيل تأويله الخاص كما لو كان حقيقة مطلقة. وبما ان أجهزة الإعلام متعددة بتعدد القوى والمصالح، فإن عرض هذه «الحقائق المطلقة» بات اليوم مهمة شبه مستحيلة. وفي علم الأصول قاعدة تسمى «تكافؤ الأدلة» بمعنى أن الأدلة إذا تساوت في القوة ومن جميع الجهات فإنها تسقط وتفقد قيمتها كأدلة، وبتعبير ابن حزم «فإن ما ثبت بالجدل، بالجدل نقض». فإذا كانت وسائل الإعلام حوامل لدعوى، وكل دعوى بحاجة إلى استدلال وجدل يثبتها ويقنع الآخرين بها. وبما إن الكل أصبح اليوم قادراً على تقديم الدليل ومداخلة الاحتمال لأدلة الخصوم، فإن كل أدلة وسائل الإعلام تصبح أدلة متكافئة أي منقوصة ولا يصح الاستدلال بها؛ لأن الأدلة إذا داخلها الاحتمال سقط بها الاستدلال. وهذه وضعية لم تعرفها مجتمعاتنا إلا في السنوات الأخيرة حين انفتح سوق الإعلام وتعددت وسائله وأصبح من المتعذر على أي جهة أن تسوّق مقولاتها وأفكارها وتأويلاتها الخاصة على الناس كما لو كانت حقائق مطلقة، وعلى الجميع أن يتقبلها دون مساءلة أو تشكيك فضلاً عن الرفض والتقويض.

وقد سمح انفتاح المشهد الإعلامي وتعدده بتحوّل الجدل من «الحقائق» إلى صراع التأويلات. وهذه وضعية يمكن لأي منا أن يلحظها في مجتمع ذي مشهد إعلامي تعددي، مثل العراق ولبنان اليوم، وكذا في البحرين بعد الانفتاح السياسي وصدور صحف كـ«الوسط، والميثاق، والوطن، والوقت». فتعدد وسائل الإعلام سمح للجميع بأن يكون له صوت، وأن يعلن تأويله الخاص في كل ما يحدث. ولهذا السبب فإن هذه المجتمعات لا تتعامل اليوم مع واقعها كما لو كان حزمة من «الحقائق» بل كصراع تأويلات، ولتأكيد هذه الدعوى يمكن لأي قارئ أن يقارن - على سبيل المثال - بين تغطيات قناة «المستقبل» وتغطيات قناة «المنار» في لبنان، وتغطيات قناة «الفرات» وتغطيات قناة صلاح الدين في العراق. وفي البحرين يمكن المقارنة بين تغطية بعض الصحف لحادث المطار ومجمع الدانة، وبين تغطية الصحف الأخرى وللحوادث ذاتها. وبعد المقارنة ستتكشف حقيقة أننا لم نعد اليوم أمام «حقائق»، بل أمام «حوادث» تمت تغطيتها أي كشفها وحجبها في آن واحد، وأمام مشهد واضح من صراع التأويلات.

ومثل كل الخيارات المفتوحة فإن لهذه الوضعية تبعات، وربما تبعات غير محمودة العواقب. ولتوضيح هذا يمكننا المقارنة بين وضع تكون فيه الميديا في قبضة جهة معينة ولتكن الدولة، وبين وضع تكون فيه الميديا متعددة ومفتوحة. ففي الحالة الأولى يمكن تسويق كل شيء تريده الدولة، وفي هذا الوضع ينطبق قول ريجيس دوبريه بأن «ما لا يظهر في التلفزيون لا وجود له». ولكن في سياق إعلامي تعددي تصبح مهمة تسويق المقولات والتأويلات أكثر صعوبة، إذ يكون لكل تأويل تأويل مضاد، ولكل تغطية تغطية مضادة وهكذا. ولو أخذنا الإعلام الأميركي مثالاً فيمكننا المقارنة بين طريقة إدارة الحروب إعلاميا في كل من حرب فيتنام وحربي الخليج الثانية والثالثة. فهناك من يقول إن الإعلام الأميركي تعلّم درساً مهماً من حرب فيتنام، إذ كان الإعلام الأميركي مفتوحاً ومتعدداً، وإذ كان أكثر من 600 مراسل عسكري ينقلون تغطيات متعددة لأكثر من 100 مليون جهاز تلفزيون في أميركا، وبأسلوب غير محرّر وينقصه الكثير من صناعة المونتاج، ما أدى إلى انقلاب المجتمع الأميركي على الحرب، وحين تكرّر الأمر - أو كاد - في حرب تحرير الكويت كان الإعلام الأميركي قد وعى الدرس جيداً، فالحرب هنا ستكون حرباً إعلامية أي حرباً على شاشة التلفزيون، وبطريقة مقننة ومحررة فليس هناك مراسلون عسكريون منتشرون في كل مكان، وليس هناك من مصدر لمجريات الحرب غير قيادة الحرب ذاتها. ولهذا انتصر الحلفاء ولهذا لم تعرف حرب تحرير الكويت فضائح وانقسامات وردات فعل رافضة للحرب، ولهذا أيضاً قال جان بودريار إن «حرب الخليج لن تقع»، وحين وقعت قال إن «حرب الخليج لم تقع».

اختلف الوضع بعد حوادث 11 سبتمبر / ايلول حين شُنت الحرب على أفغانستان والعراق إذ كان الإعلام العالمي قد تحرر من هيمنة الإعلام الأميركي، ومن هيمنة المصدر الواحد في الحرب، فأفغانستان كانت فضاء مفتوحاً لمئات من المراسلين التابعين لوكالات أنباء وقنوات إعلامية متعددة. والأمر كذلك كان في حرب العراق الأخيرة. وبهذه الطريقة يختلف المشهد والوضع في ظل التعدد الإعلامي وفي ظل التحديق الإعلامي المكثف. ثمة من يقول إن التحديق الإعلامي المتعدد (أي تغطيات مكثفة ومن جهات متعددة) بات أمراً حاسماً في تغيير مجريات الحوادث على أرض الواقع. وأصبح المشهد موضوع التحديق مرشحاً للتحول السريع والتقلب المفاجئ، وحاله كحال من يجد نفسه محاطاً بعيون أشخاص كثيرين يحدقون فيه، فهو إما أن يختفي من المشهد وإما أن يبقى مرتبكاً طوال الوقت.

وفي هذا السياق فإن التعدد الإعلامي يمثّل علامة دالة على تغيّر طرأ على المشهد في الحياة السياسية والاجتماعية في العالم، وفي عالمنا العربي بصورة جلية، والتعبير عن هذا التغيّر أصبح هو الحقيقة الجلية التي كشفتها وسائل الإعلام، وهذه الحقيقة هي أننا مختلفون، بل منقسمون، وأن الوحدة والترابط والانسجام والأمة الواحدة والمجتمع الواحد والأسرة الواحدة كل هذا صار من بقايا الماضي أو هو يوتوبيا حالمة وخيال مجنح.

لم تخلق وسائل الإعلام هذا الاختلاف ولكنها كشفت عنه، وفضحت زيف المفاهيم السابقة، كما أنها قدمت الدليل على أن الانقسام بات أمراً واقعاً، وتنازع المصالح والقوى حلّ محل انسجام المجتمع ووحدة الأمة. وقد يرى البعض أن هذه من مساوئ «الميديا» وتعددها، والحق أن هذه واحدة من محاسنها، وهي أنها كشف حقيقة الوهم الذي آمنا به كحقيقة مطلقة طوال عقود، التوهم بأننا موحّدين وأننا مجتمع منسجم ولا تنقصه الوحدة، وتكشف اليوم أننا لم نكن موحَّدين ولا منسجمين إلا في خطاب تمثيلي أيديولوجي تنميطي يتعامل مع المختلفين كزوائد وشوائب ينبغي أن تسوّى لصالح الوحدة والمجتمع المنسجم. في العهد الجديد يقول المسيح: «لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض، ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً»، بمعنى أن الانقسام أمر قائم، والاختلاف حقيقة لا ينبغي القفز عليها.

وفي سياق هذا الاختلاف والانقسام ظهرت الصورة بوصفها أقوى أسلحة الإعلام وأشدها تأثيراً، بل صارت هي موضوع الصراع والتنافس، فصارت المعركة معركة صور ينتصر فيها صاحب الصورة الأقوى والأكثر تعبيراً والأشد تأثيراً. ولنتذكر قضية التعذيب في سجن أبو غريب، وقضية التعذيب في سجن الجادرية التي أثارها الحزب الإسلامي وأطراف سنية أخرى ضد وزير الداخلية. ففي القضيتين كان موقف المدعين هو الأقوى لوجود الصور، وفي هذا لا يهم مؤتمر وزير الداخلية العراقي ولا مستنداته المعروضة، كما لم تنفع بيانات النفي التي صدرت من وزارة الدفاع الأميركية في فضيحة «سجن أبو غريب». فالصورة أقوى من البيان ومؤتمرات النفي الصحافية. فلا يرد على الصورة إلا صورة مضادة تكون أقوى من سابقتها وأشد تأثيراً.

وهذا وضع يورّط السياسة بالميديا ويورط الميديا بالسياسة. وينكشف هذا التورط حين يتأمل الواحد منا ما يجري من «حرب الصور» وحرب التغطيات الإعلامية. فإذا كانت الصورة لا تكذب، وإذا كانت مصدراً موثوقاً من مصادر الصدقية فإن هذا يجعل منها موضوعاً للصراع، فالكل يريد امتلاكها، وإذا لم توجد وجب اختراعها وتلفيقها. وهذا منطق خطير، فإذا كانت حرب الصور تخضع لمنطق يقول إن ما أخذ بقوة الصورة لا يرد إلا بقوة الصورة، فإن هذا المنطق يقود إلى تداعيات خطرة، فوجود صور بشعة دامغة يمهّد - بحسب هذا المنطق - إلى إمكان ظهور صور أكثر بشاعة. وبهذا المعنى يمكن أن يقرأ الشريط الذي بث عن ذبح الرهينة الأميركي نيكولاس بيرغ في العراق كرد صوري أكثر بشاعة على صور فضيحة سجن أبو غريب. ويمكن متابعة هذه اللعبة الخطرة في أي سياق يشهد حرباً افتراضية يمكن تسميتها «حرب الصور».

والذي يصح على الصورة يصح على التغطية الإعلامية، فهي تخضع للمنطق ذاته: منطق الرد على التغطية بتغطية مضادة أشد منها. وإذا عرفنا أن الميديا العربية اليوم متعددة بتعدد الرؤى والقوى والمصالح، فإن لنا أن نتوقع تورط هذه الميديا في الصراعات الحيوية بين هذه القوى والمصالح. والحق أن الصراعات الحيوية لا تنتهي بتحولها إلى وسائل الإعلام، كما أن نقل الصراع إلى الإعلام لا يستهدف تهدئة الصراع على الأرض، بل هو يكشف عن أن الصراع دخل مرحلة معقدة يختلط فيها الواقعي بالإعلامي، وفي هذه المرحلة يغيب التمييز بين الواقعي والإعلامي، بل قد يصبح الإعلامي أكثر واقعية وأشد تأثيراً من مجريات الواقع الفعلية. وأكثر من هذا فإن هذه الوضعية قلبت التراتبية الكلاسيكية بين الواقع والتمثيل بوصف الأول أصلاً والثاني نسخة وصورة منعكسة، وبتعبير بودريار أصبحت الصورة هي الأصل والواقع إحدى نسخها المنعكسة.

وبحسب هذا المنطق فإن المهم ليس هو ما يجري على الأرض، بل ما يجري على شاشة التلفزيون وأثير الإذاعة وصفحات الصحيفة. والسبب وراء هذا المنطق يكمن في أمرين: الأول أن الوجود في الميديا دليل إثبات على الوجود في الواقع، ووفق هذه الرؤية فإن ما وجد في «الميديا» وجد على أرض الواقع فعلاً، وفي المقابل فإن ما يجري على أرض الواقع دون أن يوجد في «الميديا» فهو بحكم المعدوم وغير الموجود، فهو لا يعني إلا الفاعلين والمشاركين بوجوده. والأمر الثاني أن الوجود في الميديا وجود تمثيلي، أي الوجود ضمن خطاب تمثيلي، والخطاب التمثيلي يسمح بالتلفيق والاختلاق والفبركة كيلا نقول الكذب. الوجود الأصيل بحد ذاته غير قابل للتلفيق والاختلاق، غير أنه يكون كذلك حين يدخل ضمن خطاب تمثيلي ويعرض في وسائل العرض، وحين يتم ذلك تقوم المسافة بين الوجود الأصيل والوجود في خطاب عرض تمثيلي، وهذه المسافة هي أساس القابلية للتلفيق، ودونها لا يكون التلفيق كقابلية ممكناً، ومادامت ثقافة الميديا تقوم على قابلية الواقع للعرض وقابلية الوجود الأصيل لإعادة التقديم/التمثيل، فإنها بذلك تقوم على قابلية التلفيق هذه. وهذه القابلية هي جوهر الميديا وهي أخطر ما فيها. لأن من قال إن «الكاميرا لا تكذب»، وإن «الصورة تقدم الأشياء أمام العين على نحو واقعي» كان إما واهماً وإما طاغية مستبداً

العدد 1315 - الأربعاء 12 أبريل 2006م الموافق 13 ربيع الاول 1427هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً