ما بين أن تكون قناة البحرين الفضائية «شاشة العائلة العربية»، وأن تكون الجهاز التلفزي الوحيد للبحرينيين فضاء من القلق والجدال والاختلاف والاحتجاج والمداولة والشك والمراهنات القاتلة. إلا أن هذا لا يمنع أي «مواطن» بسيط من أن يتابع «المسلسلات الرمضانية» ليسترجع بذاكرته أي شيء عن «البحرين» بعد أن كاد ينساها طوال العام، عندها فقط، يدرك ذلك «المواطن» نفسه أنه «رقم» حقيقي في قائمة المشاهدين الافتراضيين لهذه القناة التلفزية.
المقدمة الأولى: إنهم يعرفون ما يجري...!
بعد أن تشمت «الجزيرة الفضائية» بأحوالنا، وبعد أن تستظيفهم «قناة الحرة»، وبعد أن تصطادهم قناة «العالم»، وقبل «خراب البصرة» بقليل، ها هم يجتمعون بشكل عاجل، يبثون لنا «برنامجا سياسيا» سريعا وملفقا ومملاً، ولا نشك في أنه «إرتجال» إعلامي ركيك.
تتصل «مذيعة» جديدة بي، تقول: أرجوك... «أبحث عن مشاركين في برنامج سياسي عاجل لأحد الزملاء... أريدهم أناسا مضمونين...؟!».
للتو تذكر «الأحبة» أن الناس في أزمة، وأتضح لنا أخيرا، أن خبراء الإعلام والسياسة والتقارير الإخبارية في «قناة البحرين الفضائية» يدركون ما يجري!
المقدمة الثانية: بورديو وقناة البحرين...
يمكن للإعلام، ولسائر مواد الصحافة الأخرى - كما يرى بيير بورديو - أن تكون أدوات جيدة لتعميم الديمقراطية، أو أدوات فاعلة لممارسة القمع الرمزي، إذ اهتم هذا المفكر الفرنسي في إشتغالاته الإعلامية بالسبر في «الإعلام الجديد» وقدرته على «التلاعب بالعقول»، وتشكيل «الوعي المسطح»، كما حذر من تحول المجتمعات والبشر إلى مجرد «دمى» في يد القوى الخفية والآلهة الجدد.
الصحافة ووسائل الإعلام كافة ومنها قناة البحرين الفضائية يمكن أن تكون قوة إبتزاز وأداة هيمنة، والإعلاميون يستطيعون أن يصنعوا ما يهم الناس من فراغات يتلاعبون بحقائقها ليصوروها حقائق مهمة وفاعلة.
وعليه - تأتي الأوامر - بين يوم وليلة ليجتمع «مذيع» مستأجر لساعتين، وضيوف مستأجرون في «وقت قياسي»، ليذيعوا تلك الحقائق المهمة والفاعلة، والتي لابد أن يصدقها الناس وأن يتفاعلوا معها، وفي هذا التوقيت أيضا نتذكر أن جهازنا التلفزي هو مخصص للعائلة البحرينية وليس للعائلة العربية كما كان يعلن ذلك بإسهاب ممل.
هكذا... ببساطة، تتبدل المهام العليا، والشعارات طويلة الأمد لتصبح مجرد «لعبة» تايوانية الصنع، تديرها أيد عربية.
المقدمة الثالثة: يقولون... قناة الأخبار والحقائق
لكن، كيف تكون «قناة البحرين الفضائية» أداة للقمع الرمزي؟، أو أداة لخلق الحقيقة وللتحكيم الاجتماعي والسياسي كما يعبر عن ذلك بورديو، وليس، كما يدّعى من قبل المسئولين عليها بأنها - على لسان بورديو - «أداة لبث الأخبار والحقائق والمسلمات والبرامج التي تفتح الملفات السياسية والاجتماعية على حقيقتها المستورة لتوضحها للناس المساكين الذين لا يعلمون عن أحوال بلادهم».
للإجابة على هذا السؤال لابد أن ننطلق من نظرية اجتماعية لها حضورها في العلوم الإعلامية والسياسية على حد سواء، وهي نظرية «المسئولية الجماعية» ولابد من التحصل على تعريف جديد للمثقف ولدوره السياسي المأمول.
والمثقف هنا هو معد البرامج السياسية والمذيعون والمذيعات في البرامج المنقولة على الهواء مباشرة.
يعرض لنا الباحث الاجتماعي «علي سالم» أنموذج «بيير بورديو» في شرح هذه الجزئية باعتقاده أنه «ليس ثمة ديمقراطية حقيقية من غير سلطة نقدية - مضادة. أما الديمقراطية ذات «الوجه الواحد» والذي تبثه «قناة البحرين الفضائية» فهو إعلام قد يقتنع به الأطفال في noot ecaps فقط، أو اولئك المشاهدين ممن ينقصهم الانتباه في ملاحظة خطأ جعل «مذيعة» برنامج اقتصادي ضيفة تكون الأنشط والأكثر فاعلية في التعليق من جمهور أحد البرامج السياسية، والسبب هو «تمام» الخطة، في تجريم «تمام» المجموعة، والتي تعبث بـ «تمام» الاقتصاد الوطني، عبر خطة «تامة».
طالما بقت «قناة البحرين الفضائية» مغلقة على الرأي الآخر فهي فاقدة لـ «مسئوليتها الاجتماعية»، وهي - بلاشك - تمثل أداة «قمع رمزي» يخاف من تأثيراتها السلبية من أن تضر بالمشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة. ببساطة أكثر، إن «المعارضة السياسية» في البحرين جزء من المجتمع، وجزء من المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، وجزء من الحياة الوطنية، وجزء من البحرين بحلوها ومرها، وأخيرا، هي ذلك الجزء الذي لا تعترف به «قناة البحرين الفضائية» ولا تقر بوجوده.
المقدمة الرابعة: قناة البحرين وبؤس العالم!
لماذا تزعجنا قناة البحرين الفضائية بتلك الإعلانات «سيئة» التصميم؟، ولماذا تتلذذ في قطع البرنامج الواحد عديد المرات من أجل بعض الإعلانات التجارية؟، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، هل نجحت قناتنا في أي من سنواتها في تحقيق فائض «مالي» من تلك الإعلانات السيئة على حساب ما تستنزفه من موازنة الدولة؟
لبيير بورديو في كتابيه (بؤس العالم) و(إعادة الإنتاج)، تحليل مهم عن نفوذ وسائل الإعلام (الميديا) في عصرنا، ودفاعها عن سياسات «الليبرالية الجديدة» «ليبرالية الإعلانات»، والتي تسببت بزيادة الفساد ومعدلات الجريمة وانتشار الفوضى، وحث صديقنا «بيير» علماء الاجتماع على «بناء تحالفات وبذل جهود جماعية داخل المجال الإعلامي لتحييد التأثيرات السيئة لهذه الظاهرة».
لقد بدأت الأجهزة الإعلامية - كما يرى بيير - وعملت كي تكون «أداة تنوير وتغيير للوعي والواقع، لكنها غدت بفعل هيمنة «قوى المال» و«مصالح النخب» أداة تجيير وتمرير لما يتطلبه «السوق» و«علاقات الربح» من حيل إعلانية واستعراضات باذخة وباهتة المضمون».
وقناة البحرين الفضائية «الحكومية» والتي تستنزف أموال الدولة «أموال الناس» هي أكمل الأمثلة الحية على هذه النتائج المأسوية، والمحزن حقاً، أنه ومع سلوك هذا الاتجاه فهو دائما ما ينتهي بأن يثقل «موازنتها» كل عام بأكثر مما كان قد إستنزفنا في عامه الماضي.
ببساطة أخرى، ليس من «حق» القائمين على هذه المؤسسة الإعلامية التي تتسلم أموال تشغيلها من الناس أن تجبرهم على مشاهدة 20 إعلانا في فترة مشاهدتهم لإحدى المسلسلات التلفزيونية، فليست «قناة البحرين الفضائية» قناة خاصة. وإلا، فعلى القناة أن تتحول إلى شركة تجارية ربحية، وعندها فقط، فليضع المخطط الاستراتيجي لحسابات هذه الشركة المالية إعلاناته على من يشاء، كيفما يشاء، وقتما يشاء.
المقدمة الخامسة: تفاهة السؤال...
كنا ننتقد أجهزة التلفزة العربية بأنها تتجه «لأن تأخذ شكلا واحدا وتركز على موضوعات مشتركة، فالصحافيون التلفزيون يأخذون عن بعضهم بعضا في «لعبة جماعية» يقومون بها، أو ما يمكن تسميته بـ «الانتقال الدائري للأخبار» وذلك من جهة، إلى جهة أخرى بما يعطي واقع وجود «سياج إعلامي في النهاية»، وهي في هذا مفضوحة كما يعبر ذلك «رامونه» رئيس تحرير «الليموند ديبلوماتيك».
فقال خبراء الإعلام العرب أن خصوصية المجال الإعلامي تقتضي أن النوعية البرامجية مرتبطة بالطلب، أي أنه متعرض لما تمليه «السوق» عليه.
قلنا أمنا بالله... وسألنا، فمباذا نصف «قناة تلفزية» برامجها لا هي مع هذا أو ذاك، ولم يجبنا - لتفاهة سؤالنا - أحد
العدد 1334 - الإثنين 01 مايو 2006م الموافق 02 ربيع الثاني 1427هـ