العدد 3418 - الأحد 15 يناير 2012م الموافق 21 صفر 1433هـ

تشربت القومية من صورة «الشاب الأسمر»... وانقلبت على الماركسية بعد غزو أفغانستان

المفكر والصحافي الإستاذ وليد نويهض يفتح لـ «الوسط» حديث الذكريات (2-6)

مواصلة للحوار مع الصحافي والمفكر الإستاذ وليد نويهض: بالعودة إلى الصحافة جمعتك علاقات حميمة مع الذين نستطيع تسميتهم برفقاء درب الصحافة، ومنهم أسماء مرموقة اليوم في العالم العربي، هل لك أن تحدثنا قليلاً عن النخبة الشبابية المتحمسة للصحافة وعن هذه الصحبة الطويلة؟

- لا شك أن البدايات كانت في نهاية الستينات وتحديداً بعد هزيمة يونيو/ حزيران 1967، فعندما حدثت الهزيمة كنا شباباً في مقتبل أعمارنا وشكلت صدمة كبيرة لنا على المستوى المعرفي والفكري، فكيف يمكن لدولة صغيرة أن تهزم كل جيوش الدول العربية وكيف وكيف ولماذا...؟ وبالتالي هذه الأسئلة كان لا بد من الإجابة عليها، وبالتالي توجهنا نحو محاولة الرد على هذه الأسئلة وكانت هناك شريحة من بينهم جوزيف سماحة الصديق الذي رحل في العام 2007 وحازم صاغية من الأصدقاء ولا يزال، وجورج ناصيف وغيرهم لا يمكن أن نحصرهم: مثل غسان شربل وجورج سمعان وعبدالله اسكندر وفواز طرابلسي وحسن داوود وإبراهيم العريس وجهاد الزين ووضاح شرارة، فقد كنا نمثل «النواة الصلبة».

لقد كنا مجموعة كبيرة من الشعراء والكتاب والروائيين والباحثين والأساتذة الجامعيين، مثلاً، فهذه الصداقة لم تكن موحدة دائماً وليس بالضرورة أن تكون متنافرة لكنها كانت تقع في دائرة الهم الواحد والقلق الواحد والهاجس الواحد، وتحت الهم الواحد كان هناك نوع من الشراكة، فلا يمكن أن تكون الصداقات على وتيرة واحدة دائماً، فهناك تراتبية في العلاقات ولكن المهم جداً أن حازم وجوزيف وأنا وسعد محرم كلنا شاركنا في البدايات الأولى في عملية تأسيس صحيفة «السفير»، والفضل هنا يعود لطلال سلمان الذي حاول أن يجمع النخبة المختارة آنذاك.


«السفير» احتضنت طلائع النخبة العربية

وشكلت «السفير» في البدايات الأولى مخرجاً لمأزق حقيقي واجه مجموعة كبيرة من الشعراء والمثقفين والواقع الذي كنا أسرى له، ففي «السفير» وجدوا المكان المناسب لنشر قصائدهم ونقدهم الأدبي وإنتاجهم المعرفي، وفي «السفير» تم الانطلاق وعرف الكثير من الشعراء الشهرة من «السفير» نفسها، فاستقطب طلال سلمان النخبة الجيدة وانتقى مجموعة كبيرة من الصحافيين من المغرب ومصر وفلسطين ومن سورية وطبعاً لبنان وجمعهم في هذه البوتقة وهذه الدائرة.

هذا يدفعنا إلى التساؤل: فهل مشروع «السفير» كان مشروعاً فكرياً أم إعلامياً أو سياسياً، أم الثلاثة في آن واحد؟

- المشروع فعلاً كان سياسياً في الأساس وحمل معه الهم الفكري أو الرافعة الفكرية، فجوزيف سماحة اشتهر عندما أصبح كاتب عمود في «السفير»، وأيضاً حازم صاغية ابتدأ منها، وغيرهم من الأسماء، ومن تلك البذرة الصغيرة التي زرعت في العام 1974 بدأت هذه البذرة تتحول إلى شجرة وفروع ومزرعة صغيرة وكنا آنذاك في مطلع العمر وكانت أعمارنا تتراوح مابين 24 و 27 سنة، فهناك فئة كبيرة من العمر نفسه وطبعاً نستثني بلال الحسن وطلال سليمان لأنهما كانا أكبر منا في العمر، ولكن أنا أتحدث عموماً عن تلك النواة الصلبة.


الانقلاب على الماركسية

إذا عدنا قليلاً لهذا الكتاب «الثورة الطبقية»، من خلال العنوان فقط يمكن أن نستوحي الميول الفكرية التي كنت تميل إليها؟ فهل نستطيع القول أنك كنت ماركسياً؟

- نعم، كنت أميل إلى الماركسية واليسارية واستمريت على هذا المنهج إلى العام 1978وبعد تلك الفترة كانت بدايات اختلافي مع قيادة منظمة العمل الشيوعي، فاختلفنا على مجموعة عناصر، وفي البداية الأولى اختلفنا على مسألة الغزو السوفياتي لأفغانستان، وحتى الآن لا تزال مشكلة أفغانستان قائمة. واختلفنا أيضاً على الثورة الإسلامية في إيران، فكان هذا الخلاف مهم جداً. ومنذ الخلافين على المسألتين بدأت التناقضات أو التعارضات تتسع رويداً رويداً إلى نهاية العام 1979.

وفي نهاية العام وصل الخلاف إلى أوجه وتم فصلي مع مجموعة كبيرة من النخبة التي كانت في قيادة التنظيم فخرجنا منه في نهاية 1979 وبعدها اعتزلت السياسة باكراً وقررت التوجه إلى الصحافة والكتابة والعمل الفكري. وبعد الاعتزال من السياسة كانت هناك فسحة واسعة من الوقت للقراءة والكتابة واحترفت الكتابة بعد ذلك.


القومية العربية...وأحلام عبدالناصر

ماذا عن القومية العربية التي أثرت عليك إلى حد كبير، فكما أشرت في إحدى كتاباتك أنك أبصرت النور على صورة جمال عبد الناصر وكان أهل البيت يفرحون حينما يفرح عبدالناصر ويحزنون حينما يحزن عبدالناصر؟

- بالنسبة لنا مصر كانت مثل القبلة وهي النموذج والبوصلة وتحديداً قائد مصر جمال عبد الناصر بما حمله آنذاك في خطابه السياسي اليومي من أحلام، وطبعاً هذه الأحلام انتهت أخيراً إلى نوع من الفشل أو خيبة الأمل.

برأيك، هل يتحمل عبدالناصر نفسه مسئولية ذلك الفشل؟

- حتى الآن إذا سألتني عن عبد الناصر فلا زلت أحب عبد الناصر، فعلاً لا أخفيك هذا السر، فأنا لا أحب أن انتقد هذا الشخص بشكل سلبي رغم كل ما حدث، فهناك نوع من الطفولة المعينة التي تأسرني إلى عبدالناصر حتى الآن رغم كل الوعي والمعرفة، فلا زلت أحيّد جمال عبد الناصر من تهمة المسئولية المباشرة وأقول إنه مسئول غير مباشر، ولكن بالمعنى الدستوري كان هو المسئول المباشر.

فهناك نوع من التنابذ مابين طفولة أحاول أن أتجاوزها وبين واقع أصبحنا أسراه، فلا شك أن عبد الناصر شكّل مرحلة عملت نوعاً من الإلهام ولكن للأسف الشديد كانت مبنية على توهمات، ففكرة الوحدة العربية هدف نبيل وسام وجميل ولكن تأسست على أوهام غير واقعية وكذلك فكرة العدالة الاجتماعية وهي فكرة إنسانية ولكن لابد من وجود آليات يمكن اتباعها للوصول لهذه المرحلة ومواضيع أخرى لها علاقة بالحرية والمساواة والديمقراطية والكثير من الكلمات التي يمكن القول إنها فضفاضة ولها تاريخها، وآنذاك لم نكن ندرك تاريخ الأفكار، فنحن لم ندرك أن كل فكرة بل كل كلمة لها تاريخ آنذاك... لقد انجذبنا لعبد الناصر كمفردات ومصطلحات وشعارات ولم ندرك بأن لكل فكرة ولكل مصطلح تاريخهما.

هل تتفق مع من يقول بأن عبدالناصر رمزٌ ولكنه لم يمتلك المشروع؟

- عبد الناصر امتلك المشروع نظرياً، ولكنه وقع في توهمات ونحن في تلك الفترة كنا شباباً وفي سن المراهقة، و لم ندرك أن في هذا المشروع مجموعة فجوات تحتاج إلى ضربة بسيطة لتنهار وهذا ما حدث بعد هزيمة حزيران وتفاقمت في السبعينات.


عبدالناصر لم يفقد شخصيته الاعتبارية

هل كان حب العرب لعبدالناصر دافعاً ليغفروا له فجوات المشروع؟

- لست أنا فقط، بل إذا سألت غالبية الشريحة العمرية التي تقع في الفئة نفسها من عمري ستجد ردة الفعل نفسها، أي ستجد أنه لا يزال الاحترام لعبد الناصر قائماً ولا يزال التقدير لجهوده يأخذ مكانه الحقيقي. ولكن للأسف إن من أتى بعد عبد الناصر كان أسوأ من عبد الناصر ما أعاد له قيمته الاعتبارية، فلو كانت الأوضاع التي جاءت بعده أفضل لكان خسر الكثير من قيمته الاعتبارية لكن ما حصل العكس، فكانت هناك العديد من الأسئلة التي تحوم حول مشروعه ولكن لم يخسر قيمته الاعتبارية والسبب في ذلك أن الأوضاع العربية بعد الناصر تراجعت كثيراً.

على مستوى الحياة العائلية، كانت عائلتكم موالية للحزب التقدمي مع مؤسسه كمال جنبلاط، فهل هناك تقاطعات فكرية أو جغرافية مع هذا الحزب؟

- في الواقع جدي كان على علاقة شخصية مع كمال جنبلاط مؤسس الحزب التقدمي الاشتراكي، فكان جدي يحب ما يحبه كمال جنبلاط، فكان جنبلاط يحب عبد الناصر ونهرو والسوفيات والصين، ومن هنا كان جدي يحبهم لأجل عيون كمال، فالعلاقة الشخصية أحياناً تنعكس لمستوى أوسع، وبسبب هذه العلاقة الشخصية انتقلت أجواء جنبلاط الى البيت، فأصبحنا نعلق صورة عبد الناصر وأصبحنا نهتم للاتحاد السوفياتي ونهرو في الهند، وكذلك الصين ولكن الأمور تغيرت فيما بعد حين انهار الوضع وسقط القناع بعد تلك الضربات القاسية.


بيروت الستينات

انشغال الطفل في قراءة صحيفة حزبية يشرف على إدارة تحريرها كمال جنبلاط شكلت حلقة في السلسلة. فالصداقة البعيدة التي كانت تجمع جدي بالزعيم السياسي أسست مجموعة مناخات ثقافية ساهمت لاحقاً في تكوين ذهنية آيديولوجية تأثرت بدرجات معينة بمرحلة الطفولة. جنبلاط صديق جمال عبدالناصر، وعبد الناصر صديق الاتحاد السوفياتي. وهكذا أصبح بيت العائلة موصوف بحبه لمصر عبدالناصر وإعجابه بالإنجازات الاشتراكية في العالم. واجتماع الحلقات الثلاث في منزل واحد في نهاية الخمسينات لم يكن من الأمور الاستثنائية في بلد متنوع ومتعدد في الثقافات والهويات والولاءات.

وفي الصالة هناك صورة كبيرة معلقة للشاب الأسمر جمال عبدالناصر. وفي الغرفة الملاصقة هناك مذياع قديم ضخم يستخدم فقط لمتابعة نشرات الأخبار من محطتي «صوت العرب» من القاهرة و«إذاعة موسكو». حتى التعليقات السياسية كانت مختصرة بين خطابات أحمد سعيد النارية أو إنجازات الاتحاد السوفياتي الاشتراكية.

كانت بيروت في الستينات وبعدها محطة للترحال وواحة للاستقرار وملجأً للهاربين وملاذاً للخائفين أو الطامحين أو الطامعين. فالكل موجود فيها من المحيط إلى الخليج وهي تحولت إلى رمز حين شكلت في زمنها ذاك الوعاء العربي للشعر والأدب والفكر والفن والصحافة ودور النشر ومنابر الإعلام والأحزاب وساحة تجاذب للسياسة والآيديولوجيات والتنظيرات المشرقية والمغربية.

وليد نويهض

العدد 3418 - الأحد 15 يناير 2012م الموافق 21 صفر 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 10:49 ص

      عبدالناصر في القلوب

      عبد الناصر لا زال باقياً في القلوب .فانتصار مصر اعد له جمال عبد الناصر . عبد الناصر كافح بالكلمة الصادقة و الشعور القومي البحت و التجرد من حب الذات . و الدليل واضح عندما تنحى عبد الناصر . و في وفاة عبدالناصر . عبد الناصر اوقض الحكام و بدأو تطوير بلدانهم . عبد الناصر كان ينظر للبحرين بمنظار خاص . و طلبة البحرين يدخلون الجامعات التي يريدون دون قيود و تصرف لهم منح تساوي البعثات . رحمك الله يا أبا خالد .

اقرأ ايضاً