مرت خمس سنوات على اختفاء زعيم منظمة «القاعدة» أسامة بن لادن وفي الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول الجاري تحل ذكرى جديدة على الضربة الموجعة التي وجهها بن لادن إلى القوة العظمى. منذ ذلك التاريخ لا أحد يعرف مكانه على رغم ما تملكه الولايات المتحدة من سبل البحث مثل الأقمار الصناعية ووسائل استراق السمع وجيش من العملاء من أفغان وباكستانيين وعرب وهكذا أصبح بن لادن أسطورة تتحدث عنها كتب الجنايات. ما يدل على وجوده حيا رسائله الصوتية التي يبعث بها بين فينة وأخرى إذ يعتبرها مؤيدوه دليلا على أنه على قيد الحياة وتشغل أجهزة الأمن العالمية مغبة وجود رسائل لمؤيدي «القاعدة» فيها. قبل أيام تساءل أحد المعلقين في وكالة الأنباء الألمانية ما إذا كان الرئيس الأميركي جورج بوش جاداً حقا في مسعاه للقبض على بن لادن لأن اعتقاله، حيا أو ميتا، سينهي الحرب المناهضة للإرهاب التي أعلنها بوش بعد وقوع هجمات 11 سبتمبر. في الغضون يتحدث بوش عن الإسلاميين الفاشيين وهو تعبير جديد استنبطه الصقور في الإدارة الأميركية لتصعيد الحرب التي مضت فيها الولايات المتحدة بعد زوال خطر العدو الشيوعي. ويريد بوش الاستفادة من التصعيد ومن عامل الخوف لفوز حزبه الجمهوري بانتخابات مجلس الشيوخ الأميركي. هل وجود أسامة بن لادن حرا طليقا جزء من استراتيجية بوش؟
قبل سنوات كان حكام العالم يقطعون جلستهم وتستنفر أجهزة الأمن حين كانت تبث رسالة مرئية لبن لادن. وكانت الولايات المتحدة تفكر بحسب معلومات نشرت في بريطانيا بأن يجري نسف محطة تلفزيون «الجزيرة» في قطر لأنها كانت تبث هذه الرسائل. كما كانت كوماندوس القتل تتحرك بحثا عن أسامة بن لادن المولود في اليمن والذي أسقطت السلطات السعودية الجنسية عنه بعد وقت على هجمات سبتمبر. حتى اليوم يكفي ذكر اسم «القاعدة» في مطار كي يتسبب بإغلاقه وتفتيشه. الأمر نفسه يحصل في محطة للقطارات أو أي مكان في العالم.
وكتبت مجلة «دير شبيغل» في عددها الأخير: قبل وقت قصير ظهر شريط يتضمن ترجمة بالألمانية يتحدث عن «القاعدة» فهل هذا مؤشر على أن المنظمة ستضرب قريبا في برلين أو هامبورغ أو ميونيغ؟ أجهزة الأمن الألمانية واثقة أن الإجراءات الأمنية التي فرضت نتيجة للحادي عشر من سبتمبر، حالت حتى اليوم دون وقوع تفجيرات في ألمانيا ونجاح أجهزة الأمن المحلية في تفادي وقوعها في أكثر من مناسبة. فقد فشلت حديثاً عملية مزدوجة لتفجير عبوتين داخل قطارين يعملان على الشبكة الداخلية في الوقت نفسه سجلت أجهزة الأمن الألمانية باهتمام كبير اتهام السلطات البريطانية لعدد من الشبان البريطانيين من أصل آسيوي محاولة تفجير طائرات ركاب بين لندن والولايات المتحدة. ففي ألمانيا أيضا يعيش جيل من الأتراك والعرب الذين ولدوا في ألمانيا ويشعرون مثل أقرانهم من أصل آسيوي في بريطانيا أن المجتمع تجاهلهم وهؤلاء بالذات كما يقول خبير أمني ألماني يكونون طعما لـ «القاعدة» إذ من دون متعاونين في الغرب لا يمكن تكرار ما حصل قبل خمسة أعوام في الولايات المتحدة. لم تكثف ألمانيا برامج إدماج الجيل الجديد من الأجانب فحسب بل اتخذ وزراء داخلية الدولة والولايات (16 ولاية) إجراءات جديدة لمكافحة خطر الإسلاميين المتطرفين عبر إنشاء بنك معلومات يكون في متناول الجهات المعنية تسجل فيه أسماء المشتبه فيهم وعناوينهم وأرقام حساباتهم المصرفية والتحركات المالية ووجهات السفر والأشخاص الذين يقيمون الصلات معهم.
بعد خمسة أعوام لم تعد رسائل بن لادن ترعب أحداً ولا تتسبب في هز البورصات المالية لأن العالم اعتاد على العيش في الوضع الذي نشأ بعد 11 سبتمبر. فقد أصبح المثقفون العرب يقاطعون السفر إلى الولايات المتحدة كي لا يتعرضوا لتحقيقات مهينة في مطاراتها وأصبح السفر من وإلى أوروبا عسيراً بسبب أعمال التفتيش والانتظار. ولا يبدو أن الولايات المتحدة متسرعة للقبض على بن لادن. حين قامت «إسرائيل» بعدوانها على لبنان حاول نائب بن لادن، أيمن الظواهري خطف الأضواء من حزب الله الذي كان يخوض معركة مصيرية مع أقوى جيش في الشرق الأوسط لكن لم يؤخذ على محمل الجد. كما سبق وعبرت «القاعدة» عن موقف مثل حرب العراق وأزمة إقليم دارفور بالسودان عدا عن شتائمها الدائمة للأمم المتحدة ووصفها بالهيئة المنحازة دائما للولايات المتحدة و«إسرائيل». قبل أعوام قيل ان بن لادن موجود في مكان ما في وزيرستان الباكستانية القريبة من الحدود مع أفغانستان. لكن جميع حملات البحث عن بن لادن باءت بالفشل. يشاع أن مرافقا له لا يفارقه أبدا من مهماته إطلاق رصاصة الرحمة على أسامة بن لادن إذا هدده أحد بالأسر.
وقالت مجلة «دير شبيغل»: حان الوقت ليعامل بن لادن كأسطورة ثم طرحت السؤال الآتي: هل تستخف به أجهزة الأمن كما فعلت قبل خمسة أعوام؟
بالنسبة إلى كثير من المحللين «القاعدة» اليوم فكرة وضعها بن لادن لكن هذه الفكرة تعمل من دونه منذ زمن بعيد. هل نجح بن لادن في نشر الفكرة في العالم؟ يرى هؤلاء أنه بوسع الكثيرين القيام بأعمال عنف باستقلالية تامة عن بن لادن وهذا ما أكدته المحاولات التي حصلت أخيرا وتم إفشالها بسبب وعي أجهزة الأمن في ألمانيا وبريطانيا: محاولة تفجير قطارين في ألمانيا ومحاولة تفجير طائرات بين لندن والولايات المتحدة. ويعتقد المراقبون أن ايديولوجية «القاعدة» منتشرة في باكستان وليس هذا فحسب فهناك عناصر يعرفون أمنيا باسم «الهواة» يمكن أن يقوموا بتفجيرات في أي مكان وفي أي وقت ويحصلون على إرشادات بشأن صنع العبوات الناسفة عبر الإنترنت. أكثر ما يخشاه حماة الأمن في أوروبا أن تمنى واحدة من محاولات «الهواة» بالنجاح وسيكون لذلك نتائج مدمرة. بعد خمس سنوات على هجمات الحادي عشر من سبتمبر مازال هناك ما يشبه الحرب بين الولايات المتحدة و«القاعدة». انها مواجهة بين القوة العظمى الوحيدة في العالم وبن لادن الذي لا يملك جيشاً ولا طيراناً ولا بحرية. إن تعود هذه المواجهة بالنفع فعلى رجلين: تحول بن لادن إلى أسطورة أما الرئيس الأميركي فيستعين بأسطورة «القاعدة» ليمضي بسياسته إذ أعلن الحرب ضد الإرهاب قبل خمس سنوات وجر دولاً أخرى لحرب في أفغانستان، ثم استخدم كذبة تعاون نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين مع «القاعدة» لغزو العراق وتغيير نظامه وتحقيق أطماع الولايات المتحدة بثروة هذا البلد النفطية. يقول وزير خارجية أفغانستان رانجين سبانتا: لو أرادت باكستان لاعتقلت بن لادن. يرد عليه الرئيس الباكستاني برفيز مشرف: بن لادن موجود في مكان ما في أفغانستان! يقول مشرف ان السبب كون المخابرات الباكستانية قلبت كل حجر في باكستان ولم تعثر على بن لادن. في الغضون يلقبه الإسلاميون «بوش مشرف» لأنه مؤيد جدا للرئيس الأميركي. في تصورات المحللين فإن «القاعدة» لن تهاجم أهدافاً في الغرب عن طريق تفجير الطائرات وإنما بالأسلحة النووية. هذا ما تنبأ به بن لادن في العام 1999 واجتماعه في أغسطس/ آب من العام 2001 في كابول مع العالمين الباكستانيين بشير الدين محمود وعبدالمجيد واستفساره من الشيخ السعودي ناصر الفهد عن رأي ديني عن استخدام أسلحة نووية ضد الغرب. يقول مسئول أمني غربي: في زمن الحرب الباردة كنا نعرف قدرات السوفيات لكننا لا نعرف أهدافهم. اليوم نعرف أهداف «القاعدة» لكن لا نعرف قدراتها.
واشنطن - طوني سوسكا
عندما ضرب خاطفون انتحاريون برجي مركز التجارة العالمي ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) بالطائرات المخطوفة قبل خمسة أعوام فإنهم ألقوا في الوقت نفسه بمسلمي أميركا في قلب عاصفة من الشك لاتزال تستمر بقوة حتى الآن.
وبينما كانت الأنباء عن حوادث الهجوم والمضايقات وغيرها من الانتهاكات ضد عرب ومسلمي الولايات المتحدة تراجعت عن مستوياتها العالية للغاية عقب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول فإنها عاودت الصعود مجدداً على مدى العامين الماضيين لأسباب عدة بينها الحرب التي قادتها أميركا في العراق.
إن ذلك جزء من مناخ يعمق من أجواء عدم الثقة نحو شريحة من المواطنين الأميركيين كان ينظر إليهم على نطاق واسع بأنهم اندمجوا في التيار الرئيسي للمجتمع بقدر يفوق بكثير نظرائهم المسلمين في أوروبا الغربية.
لكن أميركا شهدت في فترة ما بعد صدمة 11 سبتمبر صدعاً في صورتها الذاتية كونها بلداً مواطنوها أميركيون بالدرجة الأولى ثم بعد ذلك أفراد ينتمون إلى جماعة عرقية أو دينية.
ويقول رئيس المعهد الأميركي العربي في واشنطن جيس زغبي: «حتى الجيلين الثاني والثالث الذين ولدوا هنا يواجهون مشكلات... ويخافون من مواجهة مشكلات».
وصرح زغبي لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ)، قائلاً: «يخشى الناس اتساع نطاق هذه المشكلات... وهذه هي المشكلة».
ويوثق بحث أجري أخيراً مخاوف العرب الأميركيين من أن الحكومة تتجسس عليهم وأن ثمة توتر متصاعد مع الأجهزة المعنية بتطبيق القانون ومسئولي العدالة المتهمين بتبني مفاهيم عرقية أو دينية نمطية.
ووجدت الدراسة أيضاً أن العرب الأميركيين عرضة بما يزيد على الضعف لمشاعر الإحباط مقارنة بغيرهم من الأميركيين العاديين وأن أجورهم تراجعت منذ العام 2001 ولاسيما في تلك المناطق التي تشهد معدلات جرائم دافعها الكراهية.
ومن جهة أخرى، فإن نحو 25 في المئة من الأميركيين وربما أكثر ينظرون إلى المسلمين بشكل سلبي. وكشف استطلاع لصحيفة «يو أس أيه توداي» نشرت نتائجه في شهر أغسطس/ آب الماضي أن 39 في المئة يعتقدون أن المسلمين حتى الأميركيين منهم يتعين أن يحملوا بطاقات هوية «خاصة» في إطار إجراءات مكافحة الإرهاب.
وتتفاوت أشكال التمييز الموجه للمسلمين في الحياة اليومية بين رسائل الكترونية بذيئة في العمل إلى جرائم دافعها الكراهية الشديدة مثل حرق المساجد.
ويقول زغبي إن المهاجرين الجدد وأصحاب المتاجر والطلاب هم الأشد عرضة للخطر ولاسيما لو كانوا يرتدون أردية عربية أو إسلامية واضحة. وتوجه جماعات للضغط تضم ما يقدر بستة ملايين مسلم في الولايات المتحدة اللوم لمسئولين أميركيين بينهم الرئيس جورج بوش لقوله إن الولايات المتحدة في حرب مع «فاشيين مسلمين».
ودأب بوش على استخدام تلك الصورة في مسعى منه لتشبيه الحرب الأميركية المعلنة على الإرهاب بالحرب ضد شر النازية في الحرب العالمية الثانية.
بيد أن وضع المسلمين الأميركيين ربما لايزال إيجابياً في عين مراقب أوروبي. وصرح المتحدث باسم المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا منير عزاوي إن رحلته التي دامت عدة أسابيع للولايات المتحدة والتي التقى خلالها بمسلمين ويهود ومسيحيين ألقت الضوء على التناقض بين حال المسلمين في أميركا وحالهم في أوروبا.
وصرح عزاوي (28 عاماً) لوكالة الأنباء الألمانية بعد جولته التي تمت برعاية الحكومة الأميركية بأن «الشيء الذي أثر بشده فيه أثناء لقاء المسلمين الأميركيين أنهم يشعرون بالفخر بانتمائهم الأميركي وتملأهم روح التفاؤل، ويتطلعون إلى المستقبل».
بيد أن تحقيقاً أجرته صحيفة «واشنطن بوست» أخيراً جاء بنتيجة مختلفة، فقد أظهر أنه في حين أن المسلمين الأميركيين ليسوا بمتشددين عموماً إلا أنهم «صاروا يشعرون بالتمزق» وباتوا يسعون بشكل متزايد لالتماس الراحة في الإسلام وليس في الحلم الأميركي
العدد 1463 - الخميس 07 سبتمبر 2006م الموافق 13 شعبان 1427هـ