70 في المئة من أهالي بورسعيد ذهبوا إلى صناديق الاقتراع لاختيار أول رئيس بعد ثورة 25 يناير/ كانون الثاني فلماذا سجلت هذه المدينة أعلى نسبة مشاركة؟ هذه النسبة العالية مقارنة بـ 50 في المئة نسبة المشاركة العامة ونسب متدنية ببعض المناطق وصلت إلى 30 في المئة، بورسعيد هذه المدينة التي كان لها شأن خاص في ثورة 25 يناير تابعنا بعض فصوله، فقد كانت كالشعلة التي تطلق اللهب حينما يضعف لهب الثورة في القاهرة أو الاسكندرية.
أتفهم سيكولوجيا هذه المدينة التي ضمتني بضعة أيام العام 2006 حينما ذهبت إليها بمعية صديق مصري وآخر أردني فوجدناها متوثبة متألقة، تمتاز بقربها من مناطق التماس مع فلسطين؛ لذلك لا ينفك أهلها من سواق أجرة وأصحاب المطاعم والمحلات من رواية ذكرياتهم بين مدينة العريش وبورسعيد، أي زائر لها سيجد أنها مدينة بطولات وأبطال.
أتفهم دورها في الثورة لارتباطه بالبطولة والحرب، لكن لماذا خرج أهلها بهذه الكثافة في يوم انتخاب الرئيس؟
تجد الجواب على لسان الكثير من أهالي المدينة، فقبل ثلاثة عشر عاماً أي في العام 99 كان الرئيس السابق حسني مبارك يزور المدينة التي يشتكي شبابها من التهميش وغياب العدالة الاجتماعية وخلال جولته اندفع أحد الشباب الغاضب نحو سعادة الرئيس فما كان من أحد الحراس إلا أن أطلق النار عليه فخرَّ صريعاً، أهله وأصدقاؤه يقولون إن الشاب القتيل كان يخطط لتسليم الرئيس خطاباً يطلب فيه فتح محل تجاري بدلاً من عربته المتنقلة وقد وجد في الزيارة فرصة لتحقيق حلمه فمضى شهيداً، لكن الرواية الرسمية تقول إن الحادثة كانت محاولة اغتيال نجا منها الرئيس بفضل يقظة حراسه.
هل كان الشاب هو بوعزيزي بورسعيد لكن في الزمن الخطأ؟ ربما؛ لكن الذي ليس فيه شك أنه بوعزيزي حقيقي، فقد ظل في قلوب مدينته 13 عاماً حتى قررت الخروج عن بكرة أبيها لتقول كلمتها في حقه، يقف أحد الشباب أمام المركز الانتخابي فيقول: اليوم تقول بورسعيد كلمتها ضد التهميش ولمن قتلوا بوعزيزي بورسعيد.
إذا كان دم شهيد واحد يظل يلهب مدينته كل هذه السنوات ويزلزلها ويجعلها على قلب رجل واحد كقطرة دم الشهيد؛ فماذا عن مئات الشهداء الذين سقطوا في الربيع العربي، كم ستبقى دماؤهم تؤجج الغضب والثورة في جسد الأمة، أليس في ذلك عبرة لمن يقبضون على الأنظمة أن ينتبهوا؛ فبركان غضب الشهداء لا يخمد، قد يثور في لحظته كما حدث في تونس وقد يؤجل كما حدث في بورسعيد، لكن المحتم أن البركان حتماً يثور يوماً.
العدد 3570 - الجمعة 15 يونيو 2012م الموافق 25 رجب 1433هـ
مقال ولا أحلى
المقال جميل نفذ الى العمق وحوى إشارات مختزلة بدقة رسمت قواعد تحكمت في حركات الربيع العربي