إنّهُ القرن الحادي والعشرون بعد الميلاد، وها هو شهرُ مايو قد لملم أيّامهُ ليدور مع السنة حول الكرة الأرضية... وهُنا، طالبةٌ جامعيّة، تقفُ على شبّاك الحياة، وتكتبُ الآخرينَ بعينٍ ثالثة بينما هُم يسيرون ويسيرون، نحوَ أقدارٍ مُختلِفة...
في طريقي إلى الجامِعة صباحاً، أمرُّ بصورٍ كثيرة للحياة، فأرى أبناء القرية يسيرونَ كلٌّ إلى عملِه، وكلُّ إلى وُجهتِه... كلهم يستفيقون صباحاً مع هديلِ الحمائِم بجانبِ نوافذهم، وضجيج السيارات في الخارج، وصِياحِ الدِّيكة... يحتسونَ الشاي على عجل، ويهرعونَ إلى أعمالهم...
كلّهم يستفيقونَ ليمضوا ويعملوا، ثمّ يناموا، ثمّ يستفيقوا ثانيةً! وهلُمّ جرى... ليقوموا بالأعمال ذاتها، مُرتدينَ الوُجوه ذاتها، المكفهرّة المُقطّبةَ الجبين... أيّ قبورٍ تلكَ التي بُعثوا مِنها؟ وأيّ موتٍ ذاكَ الذي يسيرون إليه؟
في طريقي إلى الجامِعة صباحاً، يشدّ انتباهي منظرُ رجلٍ ستّيني، يقودُ سيّارةً زرقاء، يرتدي بذّةً رسميّة ونظارةً شمسيّة... دائماً ما يرفعُ صوتَ المذياعِ بأناشيدَ هادِئة، روحانيّة... تُدخلُ السّرورَ على قلبي حينَ أسمعُها، وتحلّقُ معها الطيور في السماواتِ الزرقاء... دائماً مَّا يركنُ سيارته في منتصفِ الساحة المقابلة لِموقفِ انتظار الحافِلة، ثمّ يتّجهُ إلى دُكانٍ صغير في الجِوار ليبتاعَ بعض الحاجيات ويخرُجَ ثانيةً... هذا الرجُل، يتركُ سيارته في المكانِ ذاته، كلّ يوم، صباحاً وعصراً ومساءً، دونَ أن يفكّر، أنّهُ من الممكنِ جداًّ أن تتضرّر، أن تُسرق أو أن يلحقها أي مكروه...
هُو شخصٌ لا يحملُ على كاهلهِ تلكَ الهموم غير الموجودة، والأحزان التي قد لا تأتي... لا يُثقلُ رأسهُ بأمورٍ قد لا تكون، ولا أرى عقدةً بين حاجبيهِ أو تقطيبةً تعلو جبينه... ذلك يذكّرني الآن بقول للإمام علي (ع): «لا تحمل همّ يومكَ الذي لم يأتك، على يومكَ الذي أتاك، فإنّه إن يكُ من عُمركِ، يأتي اللهُ فيهِ برزقك».
أيّها العابرون المُسرعون، قفوا قليلاً على شبّاكِ الحياة، وراقبوها... كيفَ ينمُو في جوفها الياسمين!
تعلّموا من اليَاسمينة، كيف تبتهجونَ كُلّ صباح، وكيفَ تملؤونَ الكون بأريجِ السّعادة.
فاطِمة حسن
العدد 3570 - الجمعة 15 يونيو 2012م الموافق 25 رجب 1433هـ
معاونــــة ... النفــــــــس
في حنايا الطبيعة البشرية جوهر فن المعاونة ،إذ أن المعاونة التي يسديها المرء نفسه لنفسه إنما تستهدف ذاته بالمحبة ،والتعايش ، وباللاعنف والسلام ... نهوض