أقصد بالوسوسة المبالغة في الفحص والتدقيق لإحراز اليقين من صحة وقوع الشيء وتحقق الغاية منه.
فقد شهدت البشرية أنماطاً عديدة لحالات الوسوسة في مختلف المجالات، فمنها ما يتعلق بالعقائد والعبادات ومنها ما يتعلق بالخوف على الصحة ومنها ما يتصل بالتشدد في العناية بالنظافة الشخصية أو المنزلية، ووساوس أخرى تظهر في ممارسة بعض العادات الاجتماعية، ومجالات أخرى متعددة.
وقد أجمعت المناهج الدينية والعقلية على تصنيف الوساوس بوصفها حالة مرضية يتجاوز أصحابها الحد الطبيعي في ممارسة أفعالهم للدرجة التي تجعل من سلوكهم شاذاًّ بين الآخرين الذين يمارسون الفعل نفسه بأريحية وهدوء.
وبشكل عام تعتبر كل الوساوس خارج دائرة المقبول في الذوق الديني والعلمي، إلا أن لكل قاعدة شواذّ، والشاذ في الوسوسة أن تتحول من كونها حالة مرضية إلى حالة قدسية، ويكون ذلك عندما يكون التشدد في الفحص والتثبت من سلامة الفعل متعلقاً بفعل له أثره على الآخرين، تماماً كما هي الكلمات والأفكار التي تنطلق من مواقع المسئولية الرسمية أو السياسية أو الاجتماعية.
وفي مجتمعات متأزمة كمجتمعاتنا العربية، تكتسب كلمات زعماء الرأي أهمية مضاعفة لما لها من أثر سريع الانتشار في صفوف الجماهير المنتمية إلى هذا الرمز وما يتبعها من ردود فعل تستتر بكلام الزعيم الذي تنتمي إليه.
ونلاحظ جيداً، إن جواًّ محموماً يعيشه الزعماء وأصحاب الرأي وكتاب الصحف في مجتمعاتنا العربية غالباً مّا تدفعهم إلى الانجرار في سياق الاستعراض الكلامي الذي يفقد المنهجية العلمية والمنطقية في الطرح والاستدلال وإقامة الحجة، ويجنح بهم نحو المشاكسة وتفضيل آرائهم الخاصة على المصلحة العامة، الأمر الذي يدخل المجتمعات في صراعات حزبية أو فئوية طاحنة كان بالإمكان تجنبها لو أحسن قادة الرأي اختيار الطريقة في ترشيد جماهيرها عوضاً عن شحنها نفسياًّ بما لا يوافق الواقع ولا يحقق مصلحة لأحد.
إن كثيراً من أزمات الكراهية سببها شهوة الكلام التي تغالب القادة والزعماء في مجتمعاتنا العربية، وإن حظاًّ كبيراً من التخلف الذي وصلت إليه مجتمعاتنا من الانغلاق على الذات مصدرها في الأساس أفكار وقناعات القيادات الجماهيرية.
العدد 3570 - الجمعة 15 يونيو 2012م الموافق 25 رجب 1433هـ