بعد أربعة أيام من إعلان مجموعة إتش إس بي سي هولدنغز تقليص عملياتها الدولية في قطاع التمويل الإسلامي أعلن بنك أبوظبي الوطني خططاً في اتجاه معاكس تماماً. وقال إنه يسعى إلى زيادة إسهام الأنشطة المتوافقة مع الشريعة في أعماله إلى ثلاثة أمثال الحجم الحالي خلال ثمانية أعوام. ويؤكد هذا التباين أن قرار «إتش إس بي سي» الانسحاب من سوق التمويل الإسلامي يعكس أولويات الأعمال لدى البنك البريطاني ولا يعد علامة على ضعف قطاع التمويل الإسلامي. ومع سعي البنك إلى الانسحاب من الصناعة تسنح الفرصة أمام بنوك محلية للتوسع على مستوى القطاع. وأعلن «إتش إس بي سي» مطلع أكتوبر/ تشرين الأول 2012، أنه لن يقدم منتجات إسلامية في بريطانيا والإمارات والبحرين وبنغلادش وسنغافورة وموريشيوس واستثنى من ذلك الخدمات الإسلامية لقطاع الشركات. وقال إنه سيركز أنشطة التمويل الإسلامي على زبائنه في ماليزيا والسعودية مع الاحتفاظ بوجود محدود في إندونيسيا. واستطاع البنك أن يصبح أحد رواد الصناعة عبر ذراعه الإسلامية «إتش إس بي سي أمانة» ومقرها دبي. وأصبح أكبر بنك غربي يشغل أنشطة مصرفية إسلامية فكان لخبر انسحابه وقع كبير على القطاع.
وتكهن بعض المحللين بأن القرار يعكس مخاوف البنك من قدرة المصرفية الإسلامية على در الأرباح في المدى الطويل وربما عدم رضاه عن كلفة تقديم الخدمات الإسلامية والتي تتجاوز نظيرتها التقليدية أحياناً في بعض المناطق. ولما كانت الصفقات الإسلامية تتطلب نقل ملكية الأصول محل التعاقد أكثر من مرة يتم فرض ضرائب متكررة على الصفقة الواحدة. كما أن شراء خبرة صياغة المعاملات المتوافقة مع الشريعة المعقدة أصلا يتكلف كثيراً.
لكن تفاصيل قرار البنك تكشف أنه لن يقترب من الانسحاب من قطاع التمويل الإسلامي وأنه قد يواصل نموه في بعض جوانب الصناعة.
ويقدّر البنك أنه سيحتفظ بنحو 83 في المئة من إيرادات الأنشطة الإسلامية فيما بعد. وأكد البنك أنه سيحتفظ بأنشطته الإسلامية في قطاع الشركات وهو قطاع أكثر ربحية من أنشطة التجزئة ويشمل ترتيب إصدارات الصكوك في السوق الخليجية المنتعشة وهو مجال للبنك ريادة فيه. ويقول المسئول في شركة أيه تي كيرني للاستشارات، ألكساندر فون بوك: «سيكون الأثر على البيئة التنافسية وسوق المصرفية الإسلامية عموماً ضعيفاً جداً لأن هذه الاغلاقات تخص أسواقاً إسلامية صغيرة نسبياً أو بلاداً للبنك فيها وجود محدود في قطاع التجزئة». وفي ظل الضغوط المالية في أسواق أوروبا والولايات المتحدة المأزومة وتزايد المتطلبات التنظيمية مع دخول معايير بازل-3 العالمية حيز التطبيق يضطر «إتش إس بي سي» وبنوك غربية أخرى إلى تقليص عملياته في التمويل الإسلامي والتقليدي على السواء. وقال متحدث باسم البنك إن القرار المتصل بالذراع الإسلامية جاء بعد مراجعة للاستراتيجية العالمية للبنك أعلنت في مايو/ أيار 2011، قيّمت الأنشطة على أساس توافقها مع الإستراتيجية العالمية للبنك والحاجة إلى توزيع رؤوس الأموال بكفاءة. وقال رئيس قطاع التجزئة في بنك نور الإسلامي ومقره دبي جون تشانغ: «في البنوك التقليدية تكون النافذة الإسلامية نشاطاً غير رئيسي وبالتالي يمكن للبنوك التخارج منها لإعادة التركيز على الأنشطة الرئيسية». والحقيقة أن «إتش إس بي سي» قلص أنشطته الإسلامية ببطء أكبر من عملياته التقليدية.
فقد تخلص البنك من أصول تقليدية في أكثر من 26 دولة منها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية وباكستان. وقال مدير سابق في «إتش إس بي سي أمانة»، طالباً عدم الإفصاح عن هويته لأنه غير مصرح له بالحديث للإعلام، إن قرار خفض الأنشطة الإسلامية تم تأجيله. وذكر أنه على المستوى الداخلي استطاعت وحدة البنك القول إنها حققت أرباحاً لكن الضعف جاء من عدم تناسب حجم أعمالها مع الأنشطة التقليدية الضخمة للبنك. وأضاف «أنشطة التجزئة مربحة لكنها صغيرة جداً».
ومن المتوقع أن يكون لانسحاب البنك من خدمات التجزئة الإسلامية في الإمارات ثاني أكبر اقتصاد عربي أثر سلبي كبير على النمو. لكن مصرفيين ومحللين اعتبروا الانسحاب وجيهاً في ضوء الأوضاع التنظيمية والتمويلية التي تواجه البنوك الغربية.
وقال الرئيس التنفيذي لبنك المشرق الإسلامي في دبي معين الدين معلم لرويترز: «الانسحاب يتركز بشكل أكبر في قطاع التجزئة. في الإمارات تحديداً يسمح للبنوك الدولية بتشغيل ثمانية أفرع فحسب. وهذا لا يمنحها ميزة تنافسية أمام البنوك المحلية التي تشغل أكثر من 40 و50 فرعاً في المتوسط».
وقبل اندلاع الأزمة المالية العالمية العام 2008 كانت البنوك الغربية تتوقع ميزتين من منافسة البنوك المحلية في الخليج هما انخفاض تكاليف التمويل والقدرة الأكبر على النفاذ إلى أسواق المال الدولية. لكن نائب رئيس بنك ساراسين - ألبن في دبي سهيل شفيق يرى أن الميزتين تبخرتا ويقول: «ارتفعت التكاليف على البنوك الأجنبية مع تراجع التصنيفات وفقدت الإيرادات على الأصول الأجنبية بريقها». وبعد أيام من إعلان «إتش إس بي سي» انسحابه من الأسواق الإسلامية أعلن الرئيس التنفيذي لبنك أبوظبي الوطني ميشيل تومالين، ثاني أكبر بنوك الإمارات من حيث حجم الأصول، أن بنكه سيعزز عملياته الإسلامية بإجراءات تشمل طرح خدمات متوافقة مع الشريعة في مصر وعُمان وماليزيا. وقال البنك خلال افتتاح فرع له في ماليزيا إنه يسعى إلى الحصول على عشرة في المئة من دخله التشغيلي من الأنشطة الإسلامية بحلول العام 2020 مقابل ثلاثة في المئة حالياً. وتسعى مؤسسات خليجية أخرى إلى النمو في القطاع. وقال متحدث باسم بنك شعاع كابيتال الاستثماري ومقره دبي إن البنك يعتزم زيادة حصته من الأنشطة المتوافقة مع الشريعة عبر نافذة إسلامية بقسم الائتمان التابع له. وقال تشانغ، إن من السابق لأوانه التكهن بأن البنوك الغربية قد تسلك الاتجاه نفسه بالانسحاب من التمويل الإسلامي. وأضاف «الوقت مبكّر جداً لإطلاق أي أحكام متسرعة. وقد أنشأت بنوك «إتش إس بي سي» ورويال بنك أوف سكوتلند وبي إن بي (باريبا) ودويتشه وحدات منفصلة لخدمات الهيكلة الإسلامية. هذا (إجراء) يتحدث عن نفسه». ويقول شفيق إنه مع تقليص المؤسسات الغربية أنشطتها تتلهف بنوك خليجية إلى أن تحل محلها. ويضيف «هناك فرصة جيدة جداً. إن استطاعوا تقديم الدقة ومجموعة المنتجات التي توفرها البنوك الأجنبية حالياً يمكنهم اقتناص حصة كبيرة من النشاط»
ولم يوضح «إتش إس بي سي» كيف سيتعامل مع زبائنه في البلاد الستة التي أغلق أنشطته الإسلامية فيها ولم يعلن قيمة النشاط. وقال البنك: «سنضمن الاحتفاظ بخدمات الحسابات للزبائن الحاليين بإشراف شرعي مناسب مع التحول إلى ترتيبات بديلة».
وتشير التجربة القطرية إلى أن بعض زبائن «إتش إس بي سي أمانة» في البلاد المتأثرة بقرار الإغلاق لن يتركوا البنك وإنما سينتقلون إلى الجانب التقليدي؛ ما يقلل فرصة حصول البنوك الأخرى على هذه الأموال الوافدة. وبعدما أصدرت قطر العام الماضي قراراً يمنع المصارف التقليدية من تقديم الخدمات الإسلامية جاء تدفق الودائع على البنوك الإسلامية أصغر من المتوقع واحتفظ كثير من المودعين بوفائهم لبنوكهم الأصلية.
وتشير بعض التقديرات إلى أن ما بين 60 إلى 70 في المئة من زبائن البنوك يؤسسوا اختياراتهم المصرفية على أساس السعر وجودة الخدمة وليس على ما إذا كانت حلالاً أم حراماً وفقاً للشريعة.
العدد 3697 - السبت 20 أكتوبر 2012م الموافق 04 ذي الحجة 1433هـ