أصدرت بريستول، ثامن أكثر المدن اكتظاظاً بالسكّان في المملكة المتحدة، عملة محلية خاصة بها: جنيه بريستول. وهكذا، تصبح إحدى أكبر المدن التي تتبنى إصدار عملة تكميلية من أصل أكثر من 2,500 مدينة في جميع أنحاء العالم
وقد تم إصدار 125,000 «جنيه بريستول» للتداول في هذه المدينة البريطانية، ليشتريها أهاليها بنسبة 1 إلى 1 مع العملة الوطنية، الجنيه الإسترليني. ويمكن لأهالي المدينة التعامل بهذه العملة المحلية مع 300 شركة محلية مستقلة التزمت بقبول العملة الجديدة.
وتم إصدار عدة فئات من «جنيه بريستول» 1، 5، 10، و20 جنيه- صمّمها سكان المدينة البالغ عددهم نحو 400,000 نسمة
هذا، وأصبحت العملات المحلية واحدة من الآليات البديلة للتبادل النقدي التي تسعي المجتمعات من خلالها إلى استكمال - لا أن تحل محلها - استخدام العملات الوطنية عندما تعتقد أنها لا تلبي احتياجاتها.
وهناك آليات شعبية أخرى، مثل نظم تداول العملات المحلية، والنظم على شبكة الإنترنت لتبادل السلع والخدمات بقيمة العملة الافتراضية، و»بنوك الوقت» التي تتم فيها التبادلات وفقاً لعدد ساعات العمل التي أنفقت على كل سلعة أو خدمة.
وقد وجدت مثل نظم التبادل البديلة هذه لأكثر من قرن ولكنها ازدهرت في العقد الماضي .
ويذكر الموقع الإلكتروني لهذه العملة المحلية الجديدة أنه «من خلال تحفيزه الإنفاق في أعمال وشركات مستقلة، سيساعد جنيه بريستول في إبقاء الثروة التي تكونت في بريستول هنا».
يذكر، أن «مخترعي» هذه العملة هم مجموعة من المتطوّعين، وبعض الناشطين، وغيرهم من أصحاب المشاريع بما في ذلك ممثل صندوق بريستول للتسليف والادخار.
وسيحتفظون باحتياطيات الجنيه الإسترليني لدعم عمليات جنيه بريستول؛ فضلاً عن تيسير تسديد الدفعات عبر الرسائل النصية للهاتف الخلوي .
ويقول المروّجون للعملة المحلية: «مع هيمنة الجنية الإسترليني فقدت الكثير من الثروة في هذه المدينة لصالح الأعمال التجارية الدولية الكبرى، والهياكل الإدارية ذات الصلة، والمساهمين عن بعد والنظام المصرفي المالي» والدافع الرئيسي لإصدار العملة المحلية هو ضمان بقاء الشركات المحلية عن طريق شراء المستهلكين السلع والخدمات المنتجة في المدينة.
وفي كثير من الأحيان تحقق العملات المحلية ارتفاعاً في معدّلات التداول يتجاوز معدّلات تداول العملة الوطنية؛ وخاصة عندما تصمّم بحيث تنتهي مدّة صلاحيتها أو تنخفض قيمتها بعد فترة من عدم استخدامها؛ ما يؤدي إلى زيادة الطلب
كذلك يقول بعض دعاة العملات المحلية، إن هذا النشاط الاقتصادي المتزايد يمكن أن يؤدي إلى خفض معدّلات البطالة المحلية.
وسواء أكانت العملات المحلية لها تأثير اقتصادي حقيقي من عدمه، فذلك أمر جدلي. لكن ما هو أقل إثارة للجدل هو أنها تضمن بعض الطلب على الشركات المحلية -على الأقل لفترة أولية - وتخلق شعوراً بالتمكين في المجتمعات المحلية
هذا، وأدّى تكاثر مثل هذه العملات خلال السنوات الماضية؛ فضلاً عن تأثيرها الإيجابي المحتمل على الاقتصاد المحلي، إلى قول بعض المعلقين، إن العملات المحلية هي وسيلة لمساعدة المجتمعات في تخفيف تأثير الأوقات الاقتصادية الصعبة
وأحد الأمثلة المفضلة في هذا الاتجاه هو استخدام نظام تداول العملات المحلية في مدينة فولوس اليونانية (150,000 نسمة). فمنذ منتصف العام 2010، يستخدم أكثر من 1000 نسمة من فولوس هذا النظام، والذي وفقاً لوسائل الإعلام اليونانية قد ساعد العاطلين في الحصول على المنتجات التي لا يمكنهم تحمل نفقتها خلاف ذلك
وفي إسبانيا أيضاً، تضاعفت تقريباً «بنوك الوقت» خلال العامين الماضيين ليبلغ عددها نحو 300 بنك، وفقاً للموقع الإلكتروني «الحياة بدون عمل» الذي يتابع المبادرات من هذا القبيل.
وفي إيطاليا، حظيت «بنوك الوقت» بشعبية متنامية لأكثر من عقد، وذلك جزئياً بسبب التشريعات الوطنية المواتية. وكان هناك نحو 250 بنكاً من هذا النوع في العام 2002، ليتجاوز هذا العدد الآن 320.
وقال ليندر بايندولد، الذي ينسق هذه العملة التكاملية في المملكة المتحدة والتابع إلى مركز أبحاث الاقتصاد الجديد، لوكالة إنتر بريس سيرفس: «صحيح أن الناس يلجئون الآن إلى مزيد من العملات المحلية أو التكميلية خلال الأزمات الاقتصادية. ولكن في وضع الكساد الاقتصادي الناجم عن الأوضاع المالية، هناك محتاجون وعاطلون عن العمل، وما هو مفقود هو العملة التي تربط بين الاثنين». وأضاف «ففي الأرجنتين بعد أزمة العام 2001، تمكن الآلاف من الناس من البقاء على قيد الحياة والازدهار باستخدام العملات المحلية. وفي اليونان نشهد اليوم مشكلات مشابهة وحلول مماثلة» .
ويقول بايندولد: «لكنني لست متأكداً تماماً مما يراه الناس اليوم بأن النهضة العالمية للعملات التكميلية ينبغي أن تنسب للأزمة العالمية. فهناك عوامل أخرى تسهم في ذلك أيضاً، مثل تخفيض تكاليف المعاملات بفضل التقدّم التكنولوجي والمجتمع الأكثر اعتماداً على التشبيك».
ويعتقد أن من مزايا العملات المحلية هي مساهمتها في الحد من النقل؛ ما يقلل انبعاثات الكربون العالمية نتيجة عدم تشجيع الاستيراد.
لكن الاقتصادي تيم هارفورد يقول بعكس ذلك، أي أن «الكلفة البيئية للقيادة إلى المتاجر أو زراعة الغذاء في الأراضي المحلية هي أعلى بكثير من كلفة انبعاثات الكربون الناتجة عن الشحن في المدى البعيد».
وفي هذا، ولضمان خفض الانبعاثات، تقبل بعض نظم العملة المحلية التعامل فقط مع الشركات التي تسوّق الأغذية العضوية المحلية التي تتميّز عمليات إنتاجها بالاستدامة وتدني انبعاثات الكربون
والسؤال الأساسي المطروح الآن هو مدى قدرة العملات المحلية على التحول. فوفقاً لبيتر نورث من جامعة ليفربول، فإن العملات المحلية في حاجة إلى بدء «الانتقال من كونها وسيلة للتداول بين الشركات المحلية إلى أدوات لبناء قدرة أكبر على التكيف المحلي من خلال تحفيز الإنتاج المحلي الجديد .»
وكي يكون لهذه العملات تأثير على إعادة تحويل الإنتاج إلى المواقع المحلية، يقدم «مخترعو» جنيه بريستول حوافز للمنتجين الموجودين ضمن 50 كيلومتراً من المدينة للتسجيل في هذا البرنامج، وبالتالي ضمان شراء الشركات المحلية للإمدادات المحلية باستخدام جنيه بريستول
وبغض النظر عن نطاقها الأوسع، يبدو أن العملات المحلية تشكل على الأقل تجربة للتعلم. وقالت عالمة الاجتماع بجامعة نورثمبريا، ماري ميلر، لوكالة إنتر بريس سيرفس: «الفوائد الملموسة الرئيسية للعملة المحلية هي بناء الاقتصاد المحلي وتمكين مستويات عالية من التفاعل المجتمعي».
وأضافت «لكن هناك فائدة أقل قد لا تبدو ملموسة حتى الآن على رغم أهميتها، وهي أن هذا النظام يساعدنا على فهم كيفية عمل النظام النقدي برمّته» .
العدد 3697 - السبت 20 أكتوبر 2012م الموافق 04 ذي الحجة 1433هـ