على رغم أن البدء في طرح القضايا والممارسات الخاطئة، التي ترتكب في حق المرأة يمكن أن يكون مفيداً للغاية في تغيير المواقف والسلوكات الخاصة بهذه العادات فإنه من الأهمية بمكان تحديد أفضل القنوات الشرعية والمناهج لعرض مثل هذه القضايا على الجماهير حتى يتم تحقيق أكبر قدر من التأثير والحد من ردود الأفعال السيئة.
وكثيراً ما يصل العرف السائد إلى درجة من التدين تتشابك ساعتها الأعراف مع المعتقدات الدينية، حتى لو كانت ضارة وغير ملائمة للعصر الذي نحياه، هذا العرف ارتبط ببعض الممارسات النسائية الضارة التي ظهرت بوضوح في المجتمعات المختلفة وعلى رأسها المجتمعات الإفريقية، فقد تبين مثلاً انتشار عادة ختان الإناث في ما يقرب من 28 دولة إفريقية، وهي دول ليست لها ديانة واحدة فمنها دول تدين شعوبها بالمسيحية وأخرى بالإسلام، كما تنتشر فيها العبادات والطقوس الإفريقية الأخرى، هذا خلاف ظواهر أخرى منها الزواج المبكر والولادات المتكررة وغيرهما. وأخذت الجمعية الوطنية لمكافحة العادات الضارة بالسودان على عاتقها محاولة تغيير مثل هذه العادات في مختلف الأقطار الإفريقية.
تؤكد أمين عام الجمعية آمنة عبدالرحمن الحسن أن الطموح هو أن نحارب هذه العادات في كل الأقطار الإفريقية وأن نجد المساندة من المؤسسات التشريعية والدينية حتى تستطيع الحد من هذه الظواهر.
الجمعية الوطنية لمكافحة العادات الضارة اسم يحتاج إلى تفسير؛ فما هي أنشطة الجمعية وأهدافها؟
- الجمعية الوطنية لمحاربة العادات الضارة جمعية نسائية بدأت العمل منذ العام 1985 في دولة السودان، لها فروع في 28 قطر إفريقي، منها مصر برئاسة عزيزة كامل، من أهم أهدافها محاولة تغيير الثقافات الإفريقية الضارة، التي ارتبطت بالناس بشكل قبلي، وتتسبب في مشكلات على المستوي الشخصي والعام، كشكل غير حضاري للدولة المنتشرة بها هذه العادات، لذلك أنشأنا الجمعية، التي تتكون من مجموعة متطوعات يسعين إلى تغيير بعض الثقافات النسائية المغلوطة والممارسة بشكل واسع.
ما هي العادات والممارسات الضارة التي تقوم الجمعية بمكافحتها؟
- هناك الكثير من العادات الضارة، التي ارتبطت بالثقافة الشعبية الإفريقية، مثل عادة ختان الإناث وخصوصاً الختان الفرعوني وإجبار الفتيات على الزواج المبكر، وتقارب الولادات للسيدات، ما يؤثر على صحتهن الإنجابية وعلى أطفالهن، كذلك تزويج القصر وزواج الأقارب وماله من أخطار صحية، بالإضافة إلى انتشار الشعوذة في الأساليب العلاجية واستخدام الطب البديل أو العشب بلا سند علمي.
في اعتبار أن المنظمة تحارب الممارسات الضارة، ما هي التحديات والمعوقات التي واجهتكم لدعم وانتشار الفكرة؟
- التحديات ليست كبيرة لكنها متوطنة، فالتعليم والتطور التكنولوجي والانفتاح الخارجي على العالم كان سبباً لاستقبال العقول للمعلومة بشكل حضاري، لكن التحدي الأكبر هو الثقافة الشعبية فمعظم هذه العادات الضارة قد يراها البعض ـ وخصوصاً في المناطق الريفية - جزءاً من الثقافة والتراث الشعبي، الذي يصعب التخلي عنه، إضافة إلى المنظور الاجتماعي والقبلي للفئات الشعبية بالسودان تحديداً، إذ ساد الاعتقاد أن أي تغيير في التراث الاجتماعي يعتبر بمثابة ضغوط خارجية لمسخ الهوية، ما شكل عبئاً أكبر على العاملين في النشاط التثقيفي بالنسبة إلى المناطق الريفية، أما في المناطق الحضارية، فهناك تجاوب بشرط الاستجابة لمتطلباتهم الخدمية سواء طبية أو تعليمية أو ثقافية، مع رفع مستوي الوعي الثقافي للناس، ما يوازن ويدعم عملية التثقيف والوعي البيئي.
تجاوزات وتدخلات
المؤسسات الدينية تعتبر منبر علم دينياً لتوصيل المعلومة، فما هو موقف هذه المؤسسات من الاستجابة لنشاطهم ومشاركتهم الدعوة خاصة؟ أم أنكم لا تستندون إلى أية مرجعية دينية في عملكم؟
- المؤسسة الدينية حتى الآن لم تقم بدورها المناط بها على أكمل وجه في محاربة العادات الخاطئة، ولن نجد منها التأييد الفكري والشرعي بعد، فبعضهم ينظر إلى عمله في تغيير العادات الخاطئة على أنها تجاوزات ومحاولات لطمس الهوية الحضارية لنا، وتأييد التدخل الغربي في الفكر والعادات حتى إن الفقهاء لن يحرموا ختان الإناث أو الزواج المبكر للفتيات عملاً ببعض الأحاديث الضعيفة، واكتفوا فقط بتجريم الختان الفرعوني وإباحة الختان السني ومن وجهة نظري مازال دور هذه المؤسسات يحتاج المزيد من الوعي وخصوصاً المجمع الفقهي السوداني.
الظواهر الضارة في حال من التزايد المستمر، فما هو الإطار التشريعي الذي تستند إليه مكافحة الظاهرة؟
- الجانب التشريعي به الكثير من الأقاويل فلا يوجد حتى الآن قانون يجرم عملية ختان الإناث والدجل والشعوذة وزواج القاصرات، ومعظم هذه العادات تتم داخل القبائل بشكل غير معلن ما يعوق عملية الكشف عنها وعادة ما يقوم بها نساء يتمتعن بالحماية من أفراد القبيلة، وحتى إن أصيبت الفتيات من بعض هذه الممارسات بالضرر، فيعتبروا أن الأمر قدر من عند الله ويستسلموا لما حدث، وعندما قام التشريع بدوره في محاولة للحد من عادة ختان الإناث وقف إجراء هذه العملية بالمستشفيات الحكومية ومعاقبة الأطباء، الذين يقومون بها تفاقمت المشكلة بلجوء الأهالي إلى القابلات وحلاقي الصحة للقيام بهذه العملية.
تغيير المفاهيم
الهدف من نشأة الجمعية هو الحماية والوقاية والصلاح، وهو دور مطلوب في ظل انتشار مثل هذه العادات، فما هي توصياتكم إلى الجهات الرسمية المناط بها الحد من هذه العادات الاجتماعية الضارة حتى تكون شريكة معكم؟
- قبل أن تقوم الجهات الرسمية بدور تشريعي وديني رسمي علينا تبني إشكال الثقافة، فتغيير المفاهيم الثقافية عند العامة هو الهدف الأساسي، الذي تنتج عنه توعية الشعب - التي تشمل جميع الفئات الاجتماعية - بأهمية تغيير عاداتنا الضارة إلى ما هو أفضل، مثل توعية أمراء القبائل والولاة والعمد، وذلك سيكون له أبلغ مردود على القاعدة الشعبية، ولتكن النوعية القاعدية بقضايا المجتمع ككل وليس بالعادات الضارة التي قد يتخذ منها البعض موقفاً معادياً، وبعدها تسمى بالعادات الاجتماعية الواجب تغييرها بالإضافة إلى ضرورة رفع الوعي التثقيفي عند العامة حتى لا تكون هناك فجوة بين العقول المتلقية والبرامج التنموية المقدمة لهم، وبذلك تستطيع الربط بين الاحتياجات والمطالب.
التغيير في الفكر والعادات والتقاليد أمر صعب على المدى القصير... فما هي النتائج التي تحققت في هذا الإطار خلال سنوات إشهار الجمعية؟
- طبقاً إلى آخر إحصاءات البحوث الميدانية الصادرة عن مؤسسات الرصد فإن مؤشر ختان الإناث انخفض من 89 في المئة في المناطق الحضارية أو 96 في المئة في الريف العام 1985 إلى 89 في المئة في المناطق الريفية ونحو 75 في المئة في الحضر العام 2009، ما يؤكد المردود الإيجابي لعملنا، كذلك انخفضت معدلات الإصابة ببعض الأمراض التي تسببها العادات الضارة، مثل تلوث الدم ونزيف بعد الولادة وتعسر الولادات والأورام عند النساء، وانخفضت أيضاً نسبة الوفيات عند الفتيات من سن 5 إلى 17 سنة أي إلى 8 في المئة، بالإضافة إلى نجاحنا في خفض نسبة زواج القاصرات إلى 15 في المئة وزادت نسبة الفتيات المتعلمات في الريف إلى 50 في المئة بعد أن كادت تصل إلى الصفر في المئة.
هناك بروتوكولات مشتركة في إطار اهتمام الأمم المتحدة بمحاربة مثل هذه الممارسات فهناك برتوكولات ومنح مشتركة بين الأمم المتحدة والجمعيات الأهلية، هل لكم نصيب في ذلك أو تعاون مشترك فيما بينكم؟
- البروتوكول ليس ملزم بصفة رسمية لكنه موجود، وهو أيضاً ليس للتغيير الثقافي وإنما للحفاظ على صحة المرأة الإنجابية ومحاولة تمكينها اجتماعياً بالحصول على حقوقها الصحية والسياسية والاقتصادية، ومن ثم رفع وعيها الثقافي تجاه القضايا الخاصة بها، وأصدر الاتحاد الإفريقي في البروتوكول الخاص بالمرأة وصحتها الإنجابية وحقوق الطفل في إفريقيا العام 2003 بموزمبيق وثيقة تعاون وقعت عليها 17 دولة إفريقية وجرى الضغط على باقي أعضاء الاتحاد للتوقيع وهي وثيقة تنص على منح جميع أشكال العنف ضد المرأة ومنها الختان والزواج المبكر والولادات المتتالية والاستخدام غير الرشيد للطب البديل وطب الأعشاب بصيغته الطبية وغير الطبية.
في ظل التحديات الموجودة على المستوين الشعبي والرسمي ما هو الحلم المرجو تحقيقه في وجود هذه التحديات؟
- اتمنى من الجهات الرسمية التدخل لوقف أشكال التمييز والعنف ضد المرأة ومحاولة حصولها على حقوقها وهذا لن يحدث إلا بالتدخلات التشريعية وتكاتف الجهات والهيئات الأهلية الداعمة لحقوق المرأة، وإبلاغ الجمعيات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني ووزارة الصحة ونقابة الأطباء عن الأشخاص غير الملتزمين بالقرارات التي تحد من العنف ضد المرأة والمجتمع من عادات ضارة مع وضع سياسات صارمة للحد من هذه الممارسات، ومواجهة سبل التحايل القانوني عليها مع تفعيل دور الجمعيات الأهلية في رفع الوعي بمخاطر هذه العملية على النساء وصحتهن النفسية والجسدية?
العدد 1521 - السبت 04 نوفمبر 2006م الموافق 12 شوال 1427هـ