العدد 99 - الجمعة 13 ديسمبر 2002م الموافق 08 شوال 1423هـ

نابوكوف في دروس الخياطة

أفغانستان التي نشأت على أساس كنز مسروق لامبراطور مقتول رأت أولاداً يقتلون آباءهم وأخوة يحدثون العمى لإخوانهم سعياً إلى العرش. دخلت في حروب متبادلة بين القبائل المتنازعة (وفي بعض المناطق كانت كلمة «غريب» تحمل معنى كلمة «عدو» نفسه) وعانت من التدخلات المستمرة من الدول الأخرى، ما يجعلنا قادرين على فهم سبب سعادة الملك زاهير شاه للتنازل عن الحكم عند قيام محاولة الانقلاب العسكرية في العام 1973. ومع رحيل الملك انهمكت أفغانستان في حرب دامت ثلاثة وعشرين عاماً، وكانت كل قوة متعاقبة - السوفيات، الجنرالات، طالبان - تقوم بالقضاء على المعارضين لها بوحشية تفوق التصور.

وقد فازت المراسلة الأجنبية كريستينا لامب بجائزة عن تقرير مفصل موحي ومثير للمشاعر يتحدث عن مأزق أفغانستان ويحمل عنوان «حلقات الحياكة في هيرات The Circles of Heart Sewing وهو عبارة عن مذكراتها الشخصية، ولكنه أيضاً يمثل أحد سجلات المقاومة. فهناك الكثير من أعمال الشجاعة، فقد كانت النساء يقمن بتدريس الفتيات الصغيرات سراً، كما قام أصحاب المكتبات باخفاء مجموعات بسيطة من الكتب عندما تم احراق خمسة وعشرين ألف مجلد موجود على رفوف المكتبات.

وصلت لامب إلى غرب باكستان العام 1987 وكان عمرها واحداً وعشرين عاماً، كان السوفيات يحتلون أفغانستان منذ ثماني سنوات، بوصفها مراسلة حروب مبتدئة كانت لا تستطيع أن تميز بين اطلاق النار اذا كان قادماً إليها أو منطلقاً من ناحيتها وقد صادقها المجاهدون، الذين أصبح بعضهم أعضاء بارزين في طالبان، وهرّبوا لامب عبر الحدود على دراجاتهم النارية وذلك أثناء حدوث بعض الغارات. وفي احدى المهمات رافقت صديقها حميد كارزاي وهو قريب مباشر لملك أفغانستان الأول وهو الآن رئيس الدولة.

ويصف الكتاب ذلك الوقت الصعب الذي قضته لامب في أفغانستان وباكستان في أعقاب كارثة 11 سبتمبر/أيلول.

وطوال 12 عاماً لم تعد لامب إلى أفغانستان منذ أن قرر مدير مخابرات باكستان اعتقالها والغاء تأشيرتها وكانت هناك أسباب أخرى جعلتها تغادر، ففي مارس/آذار 1989 أراد المجاهدون أن يثبتوا أنهم قادرون على السيطرة على جلال آباد فسافرت لامب معهم. وأدى الهجوم إلى حدوث مذبحة قتل فيها عشرة آلاف شخص، وقد توسلت احدى النساء الفارات من القصف بلامب كي تنقذ ابنتها الصغيرة التي أصابها صاروخ فجعل أمعاءها تتدلى إلى الخارج ولكن لامب تركت الفتاة تموت وعادت إلى ساحة المعركة، تقول لامب: «كان عملاً رهيباً، ومهما حاولت أن ابتعد فلن استطيع أن أنسى». خابت آمال الكثير من الناس بما حققه المجاهدون وبعد هزيمة الشيوعيين قاتل الجنرالات بعضهم بعضاً وتسلم القادة رشاوى واغتصبوا الأولاد والبنات، وكان هذا الانحطاط الأخلاقي هو الذي سمح بظهور طالبان في العام 1994 باعتبارهم مدافعين عن القانون والنظام.

وما يجعل هذا الكتاب مقنعاً هو تنوع الأشخاص الذين أجرت معهم لامب مقابلات، إذ قابلت حكام منفيين ووزراء طالبان المختبئين ورجل دين باكستاني وهو صديق لأسامة بن لادن وتعلم في مدرسته 90 في المئة من أتباع طالبان. وإلى جانب أولئك المنتمين إلى الحزب كانت هناك شهادات للكثير من الرجال والنساء تعتبر مهمة كذلك.

كما تطرقت لامب إلى الكثير من التفاصيل والصور شديدة التأثير، منها اعتراف امرأة شابة بأنها كانت في بعض الأحيان تمسك بفستان الأفراح الحريري الأحمر الذي يخص والدتها وتتخيل أنها ترقص فيه، ومن الصور الأخرى الأخّاذة صورة تجار السوق الذي يبيعون أكوام فردات الحذاء المفردة للمشترين الذي فقدوا رجلاً، وصورة الأميرة التي أسرعت للبس سروال في ليلة الانقلاب وذلك ليستر رجليها في حال اعدامها.

وفي مدينة هيرات القديمة حيث طالبان مكرهون، يمكنك أن ترى في أي يوم ثماني عشرة جثة تتأرجح على أعمدة المصابيح، ومع ذلك لايزال الشعراء ينظمون قصائد سخيفة عن المحتلين. كما تتحدث لامب عن فصل نسائي من فصول تعلم الخياطة والذي هو في واقع الأمر فصل لتعلم الأدب، إذ يقوم بروفيسور بتعليم الفتيات اللواتي تخفين الأقلام والدفاتر بين أعمال الابرة والتطريز بينما تستمعن إلى الدروس عن أعمال جيمس جويس ونابوكوف الأدبية. وقد أخبر البروفيسور لامب قائلاً «لو لم يكن هناك الكثير من الأمية وانعدام الثقافة في أفغانستان لما وجد الارهاب لنفسه مهداً هنا».

وتشرح لامب الأسباب السياسية لنجاح طالبان، متحدثة عن كيف تم التلاعب بالعمليات السرية لـ «السي اي ايه» ضد السوفيات من قبل المخابرات الباكستانية مستخدمة الأموال الأميركية والسعودية لدعم معظم العمليات المعادية للغرب. وهناك نظرات غير اعتيادية يحملها الموجودون في الداخل أيضاً، ويعتقد أحد معذبي طالبان الذي كان حارساً شخصياً للملا عمر بأن القائد الجاهل (الملا عمر) تم تدمير عقله بشظايا قنبلة وقد كلفه ذلك احدى عينيه، ويقول إن الملا عمر يرى أطيافاً وخيالات كما أنه يجلس باستمرار أمام مقود احدى سياراته ويقوم بعمل أصوات المحرك ولذلك «ضحكنا عندما علمنا بأن الأميركان يطلبون من الملا عمر أن يسلم أسامة بن لادن». ومما يسبب القشعريرة أيضاً النظرية التي وضعت من قبل افتخار جيلاني الذي كان وزيراً في حكومة بناظير بوتو الأولى، والتي تدور حول كره طلاب العلوم للنساء. فقديماً كانت العوائل الفقيرة تقوم باعطاء ابنائها للمدارس الدينية ليتم تسكينهم وتعليمهم هناك بالمجان، ومنذ سن الثامنة لا يكون للأولاد أي احتكاك بالنساء. مثل هذه المدارس الدينية ترتكز أساساً في الجبهة الشمالية الغربية في باكستان التي يعد فيها نظام الباشتون الذي ينص على أنه (يجب الاهتمام بأخذ الثأر لكل الاهانات، ويجب احتجاز الفتيات منذ سن السابعة) قانوناً.

وأوضحت لامب ان روح أفغانستان لم تقهر على رغم كل المحاولات لتدمير البلد وثقافتها.

خدمة الاندبندنت -خاص بالوسط?

العدد 99 - الجمعة 13 ديسمبر 2002م الموافق 08 شوال 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً