العدد 1023 - الجمعة 24 يونيو 2005م الموافق 17 جمادى الأولى 1426هـ

قطار "التغيير" الرفسنجاني والعقل الجمعي الإيراني

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

العارفون بـ "خلقيات" الشعب الإيراني يعرفون عنه انه لا يستفز بسهولة، لكنه إذا ما استفز في الصميم فإنه ينهض نهضة رجل واحد.

يتفاعل مع الاستفزاز ببطء إذا ما كان عاديا، لكنه إذا ما قرر ان يرد فإنه يرد على طريقة "رد الصاع صاعين".

يفضل أيضا أن يبقي سلاح الرد حتى اللحظة الأخيرة "احتياطا" لعله يتمكن من تحقيق تسوية توفر عليه المواجهة والصدام.

وأفضل أنواع الرد عنده عندما يسدد في الدقيقة تسعين كما يقول أهل الرياضة أو يفتح شباك الخصم في الوقت الضائع بعد الدقيقة تسعين، ذلك لأنه يحب المفاجأة، واختراق صفوف معسكر الخصم في اللحظة والمكان اللذين لا يتوقعهما!

يصلح كل ما تقدم في الرياضة كما في الحياة الاجتماعية اليومية كما في السياسة كما في الانتخابات.

في انتخابات 17 يونيو/ حزيران فاجأ الشارع الإيراني الخصم الخارجي كما "الخصم" الداخلي بحضوره الكثيف غير المتوقع.

لكنه عندما استفز سواء بضروب من "اللعب" بمقدراته كما سجل أحد المرشحين علنا "مهدي كروبي" أو كما ورد في انطباعات سائر المرشحين وعامة الناس أو حتى لو اعتمدنا عنصر المفاجأة المحضة وهو ممكن أيضا بسبب التحولات السريعة التي تعيشها إيران، اي سواء ورد الاستفزاز عن طريق "تزوير" ارادة الناخبين، أو عن طريق ظهور موجة "شعبوية" حقيقية غير منظورة لدى عامة الناس، فإن العقل الجمعي للأمة يصبح فاعلا وبقدرة قادر يصبح سيد الموقف من دون منازع!

في انتخابات الإعادة "24 يونيو" يفترض ان يكون الرد مدويا، شرط ألا تمس الارادة الشعبية الجماعية باي سوء!

كل من قرأ ردود الفعل الواحدة والموحدة التي وردت على مفاجأة يوم 17 يونيو من اطياف متفاوتة ومتباينة تماما، يدرك تماما ان استفزازا ما كبيرا حصل للارادة الجماعية للشعب الإيراني.

فجأة وبقدرة قادر ذابت كل الفروقات والتباينات الفكرية والايديولوجية والسياسية والاجتماعية والتواصل بين الأجيال وصار اللون الإيراني الرئيسي واحدا. فجأة وبقدرة قادر صار مطلوبا حتى من المقاطعين لمبدأ الانتخابات والمعترضين على أصل النظام الحاكم ان ينزلوا إلى الشارع ويدلوا بأصواتهم لصالح من ظل حتى الأمس القريب "ثعلب" النظام و"رمح" الثورة البتار!

لقد قامت "نهضة وطنية وقومية" عارمة من أجل انتخاب رفسنجاني حتى طلب احدهم وهو من منافسيه التاريخيين ألا يبقى أحد في بيته يوم 24 يونيو وكل ذلك من أجل "رد الصاع صاعين" لمن ساهم في استفزاز العقل الجمعي الإيراني!

أعرف أن الشارع الإيراني في العام 2005م بات متنوعا ومتعددا وموزعا إلى درجة كبيرة بحيث انه لم يعد باستطاعة أي كان مهما كان وزنه وثقله وقدراته أن يحكمه بـ "سليقة" واحدة أو "ذوق" واحد أو بـ "نمط" معين يفرضه عليه نموذجا أو معيارا. وهي معرفة باتت مشاعة لدى الجميع ولا تخفى على أحد.

لكن ما أحب أن يعرفه الجميع أيضا أن الشارع الإيراني هذا هو نفسه مستعد للإجماع على أي شخص وأية فكرة تلامس اعتداله وتدينه ووطنيته، تماما كما هو مستعد للإجماع ضد أي شخص أو فكرة تستفز اعتداله أو تدينه أو وطنيته أيا كان هذا الشخص المستفز ومن أية جهة صدرت تلك الفكرة المستفزة. لكنه أيضا شعب يؤمن بالتمام والكمال بالقول المشهور: "القليل المتصل خير من الكثير المنقطع" أي انه يعشق الإصلاحات والتحول والتغيير بالتدريج وليس بالقطع مع الآخر ولا بالقفز عنه، سواء عندما يمارس دوره في الأمر بالمعروف أو في النهي عن المنكر.

في مساء يوم 23 مايو/ أيار 1996 وبينما كنا مع جمع من رموز الطبقة السياسية الإيرانية نتابع عملية التصويت على الرئيس الخامس لإيران من إحدى غرف العمليات الانتخابية التابعة للإصلاحيين وردنا نبأ عاجل يومها من أروقة وزارة الداخلية مفاده أن الرئيس المنتهية ولايته أي أكبر هاشمي رفسنجاني قرر أن يقف في وجه أية محاولة لتزوير آراء الناخب الإيراني مهما كان الثمن! وقتها صاح رئيس بلدية طهران غلام حسين كرباستجي: "لقد التحق رفسنجاني بقطار الشعب" وكان المقصود بتلك العبارة يومها قطار التغيير الشعبي الذي كان محتقنا للغاية ويريد التغيير بأي ثمن، وهو ما أفرز وقتها في صناديق الاقتراع زعيما إصلاحيا هو الرئيس محمد خاتمي.

اليوم وبعد مرور 8 سنوات على تلك الواقعة الوطنية الكبرى ثمة شعور مشابه لدى النخبة كما جمهور الرئيس العام بأن قوة دفع كبرى تتجمع خلف زعيم جديد وإن كان من الحرس القديم - تطالبه بإلحاح بأن يقود "قطار الشعب" هذه المرة إلى محطة جديدة من محطات الإصلاح والتغيير.

محطة تتواصل مع ما سبقها من محطات الإصلاح في العهود السابقة يتكون ربانها هذه المرة من المؤمنين بالقول المشهور أيضا إن "القليل المتصل خير من الكثير المنقطع" حتى تمنع كل أشكال القطيعة مع الإصلاح، ولكنها أيضا تمنع أية قفزات غير محسوبة نحو المجهول! حتى تتوقف عمليات استفزاز العقل الجمعي الإيراني من الداخل على الأقل لعله يستجمع قواه الوطنية والقومية والدينية لمواجهة تحديات المجتمع الدولي التي تحيط به من كل حدب وصوب

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 1023 - الجمعة 24 يونيو 2005م الموافق 17 جمادى الأولى 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً