العدد 1096 - الإثنين 05 سبتمبر 2005م الموافق 01 شعبان 1426هـ

مصر والحراك السياسي... الحركة الحزبية والتيارات الشعبية

رملة عبد الحميد comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

مصر الخالدة، سجل حي لأرض غنية بالفنون والتاريخ، بالشخصيات والأماكن، بالمعتقدات والأفكار. لم تعرف الهدوء في تاريخها قط، فهي دائما في حراك متصل لم ينقطع أبدا، فالمصريون هم الفراعنة، هم جيش حطين، هم طاردوا نابليون على أعقابه، هم من مزق العدوان الثلاثي أجسادهم في الإسماعيلية، هم كفاية وهم مبارك، وجهان لعملة واحدة تخوض حراكا جديدا يضاف الى حكاية مصر الطويلة فصلا مثيرا. ترى ماذا تخبئ الأيام المقبلة لمصر؟

تقع مصر في شمال إفريقيا بين ليبيا و خليج غزة، وهي مقسمة إداريا الى 26 محافظة. تبلغ مساحتها الكلية حوالي 1001450 كم ،2 لذا فهي الخامسة عربيا والتاسعة والعشرون عالميا من حيث المساحة، اما من حيث السكان فإنها اكبر الدول العربية والخامسة عشرة عالميا، اذ وصل عدد سكانها حسب آخر الإحصائيات الى 74,718,797 نسمة، كما أنهم يزيدون بمليون ونصف سنويا على عدد السكان الضخم وغالبيتهم - حوالي 63 مليون نسمة - يعيشون على 5 في المئة فقط من مساحة مصر على طول نهر النيل، مسجلة بذلك أعلى كثافة سكانية وصلت الى 175 كم ،2 منذرة بتفاقم مشكلة الانفجار السكاني.

تعاني مصر من أزمات اقتصادية خانقة، فنصف اقتصاداتها ومعظم مشروعاتها الصناعية القائمة على "النسيج - الأغذية - السياحة - الكيماويات - البترول - البناء - الأسمنت - المعادن" مملوكة للقطاع العام، كما بلغت نسبة الأراض المزروعة 3 في المئة فقط من مساحتها الكلية. وبلغ الدخل المصري بحسب الاحصاءات الرسمية حوالي 17,4 بليون دولار أميركي في حين قدرت النفقات بمبلغ 18,8 مليار دولار، أما ديونها الخارجية فقد وصلت الى 31 مليار دولار.

يشار الى أن 94 في المئة من عدد السكان في مصر يدينون بالإسلام، في حين ان النسبة المتبقية غالبيتها متمثلة في مسيحيي مصر، الذين عرفوا باسم الأقباط، ومفردها قبطي Copt، وهي مأخوذة من كلمة يونانية إيجيبتوس "Aegyptus"، أطلقها البيزنطيون على أهل مصر، وتطلق على المصري المسيحي الأرثوذكسي التابع لكنيسة الإسكندرية. اعتبر الأقباط أقلية مصرية، وهم معزولون عن الحراك السياسي والاجتماعي في الشارع المصري، ربما يرجع ذلك الى شعورهم بالاضطهاد الناجم عن الإرث التاريخي المخزون والمشحون بفكرة المظلومية والتهميش، ففي هذا الصدد يذكر القس منسي يوحنا في كتابه تاريخ الكنيسة القبطية أن عدد الكنائس بلغ عند غزو الإسلام مصر زهاء 15 ألف كنيسة غير أنها ما لبثت تتضاءل تحت عنفوان التخريب والتدمير وتحويلها إلى مساجد، كما دأب الأقباط على ترديد ان العرب المسلمين ينظرون إلى الأقباط نظرة دونية ويحتقرونهم، ويستشهدون بحوادث تاريخية، اذ أطلق عليهم عمر بن العاص عبارة "امة محقورة تحفر بطن الأرض" لعملهم بالزراعة وليس بالقتال، كما أطلق المسلمون على الأقباط إبان العصر الفاطمي بالعضمة الزرقاء، بسب ان الخليفة المسلم الحاكم بأمر الله الفاطمي أمر بإلزام الأقباط بحمل صليب وزنه خمسة أرطال بحجة تميزهم عن المسلمين واليهود، ومن ثقل حمل الصليب كان الحبل المعلق به يحك ويضغط على منطقة الرقبة من الخلف فازرقت هذه المنطقة وظهرت العظام.

لم ينظم الأقباط المصريون أنفسهم في أي تجمع اجتماعي أو حزب سياسي بسبب قانون الأحزاب المصري الذي يحرم تأسيس حزب على أساس ديني، لكن هناك تحرك مسيحي مصري لطلب إشهار رسمي لحزب الأمة القبطي بعد الانتخابات، إذ انه لا يوجد بين المرشحين العشرة لمنصب الرئاسة أي ممثل للأقلية القبطي، في حين دعا البابا شنودة الثالث بابا الأقباط الى التصويت لصالح مبارك، وهي خطوة تحسب للكنيسة المصرية، فهي تراهن على الأقوى الذي سيعطيها مساحة أكبر من الظهور والتأثير السياسي على خريطة مصر المستقبلية.

مرت مصر منذ ثورة يوليو/ تموز 1952 بثلاث مراحل: الأولى ابتدأت بحكم الرئيس عبدالناصر القومي الشمولي المعادي للاستعمار والصهيونية والمتحالف مع الدول الاشتراكية والمتبني لسياسة الحكم الجمهوري في البلاد العربية، وكان معارضا لقيام الأحزاب فاعتمد نظام الحزب الواحد في مصر. أما الثانية فهي تبدأ مع الرئيس السادات الذي بدأ حكمه بالانفتاح الاقتصادي، والدخول تحت المظلة الأميركية وخصوصا في مسألة الشرق الأوسط حينما أعلن ان 99 في المئة من أوراق الحل بيد الولايات المتحدة الأميركية

ضيق الخناق على اليساريين والناصريين إذ اعتبرهم خصومه السياسيين الرئيسيين؛ وفي المقابل أعطى الضوء الأخضر لكثير من الجماعات الإسلامية للعمل علي الساحة المصرية التي ما لبثت ان انقلبت عليه وقامت باغتياله، أما المرحلة الثالثة: حينما جاء الرئيس حسني مبارك عقب اغتيال السادات كان الوضع العربي عامة والمصري خاصة مجمدا، وكانت ومصر معزولة، فسعى الرئيس مبارك الى نوع من المصالحة التاريخية بين مصر والعالم العربي من جانب، ومن جانب آخر إيجاد صيغة توافقية بين زعامات مصر المختلفة.

فعلى الصعيد العربي حقق مبارك إنجازات كبيرة أبرزها عودة الجامعة العربية الى القاهرة، كما أصبحت مصر في عهده أبرز أعمدة الخيمة العربية. أما على الصعيد المحلي فقد حقق مبارك خلال فترة حكمه تطورا اقتصاديا أكثر منه سياسيا، اذ ظهرت خلال الأربع والعشرين سنة من حكمه طبقة من الحزب الحاكم سيطرت علي حياة مصر السياسية والاقتصادية، اذ عملوا على تطويع أجهزة الدولة وإداراتها لمصالحهم الشخصية ولامتصاص أكبر قدر ممكن من الدخل القومي بعد ان أصبحوا وسطاء في الصفقات المدنية والعسكرية، مكونين بذلك دولة فوق دولة. يحميهم قانون امن الدولة الذي يسري في البلاد منذ اغتيال السادات، إضافة الى قانون الأحزاب المصري الذي أضعف العمل السياسي وخنق الحريات في بلد من المفترض ان يكون حراكها الشعبي استنادا الى تاريخها أوسع ما يمكن.

بدأ تشكيل الأحزاب السياسية في مصر منذ مطلع القرن الماضي، وكان للاحتلال الإنجليزي دور كبير في تنشيط الحركة الحزبية من اجل افتعال مزيد من الأزمات بين الحكومة والقصر، لكن هذه الأحزاب لم يكتب لها النجاح والاستمرار إلا من اشتعال الشارع المصري وتفاعله السريع مع الحوادث. يرجع تأسيس أول حزب سياسي في مصر لمصطفي كامل الذي أسس الحزب الوطني العام 1907م، الذي استطاع استغلال حادثة دنشواي الشهيرة لإثارة الرأي العام ضد الإنجليز، وطرح للقضية المصرية من خلال زيارته لكثير من العواصم الغربية، كما أسس جريدة اللواء معززا بذلك نظام الصحف الحزبية، لكن الحزب بقى محصورا في الفئة المثقفة البرجوازية، ولم تتعداها الى طبقة الفلاحين المصريين الكادحين، ربما يرجع السبب الى أن مفهوم الحزب والتفاعل معه أمر جديد على الشارع المصري، وربما يرجع الى ان الحزب اتخذ الطابع السلمي والنضال السياسي وسيلة لنيل الحقوق، وهذا ما لم يتوافق مع ما يعيه ويريده المواطن المصري، ولهذا السبب تفاعل بشكل كبير ومنقطع النظير مع حزب الوفد، ضمير الأمة، و الابن الشرعي لثورة ،1919 وهي الثورة التي ألهبت الشارع المصري، كردة فعل على إلقاء الإنجليز القبض على الوفد المتوجه لحضور مؤتمر الصلح بباريس بقيادة سعد زغلول من اجل الضغط على الإنجليز للجلاء عن مصر، هذه الحادثة أظهرت الوفد كحزب سياسي برئاسة زغلول الذي فاز بأغلبية الأصوات لرئاسة الحكومة المصرية العام 1922م، واصطف خلفه المصريون في مفاوضات الجلاء مع الإنجليز، لكن اغتيال لي ستراك الحاكم البريطاني للسودان في القاهرة أثر سلبا على المفوضات، وأجبر سعد زغلول على الاستقالة تاركا مصر أمام أزمة سياسية حادة، ولم ينجح خليفته مصطفى النحاس من بعده في إدارة الأزمة السياسية في مصر عن طريق حزب الوفد، اذ فقد شعبيته جراء توقيعه على معاهدة 1936م، وكما ان الدبابات البريطانية فرضته على قصر عابدين لتسلم رئاسة الحكومة المصرية أبان الحرب العالمية الثانية.

في تلك الفترة أصيب الصف الوطني في مصر بانتكاسة كبرى، اذ انقسم حزب الوفد على نفسه وتشكلت أحزاب عدة على أثرها تشتت العمل السياسي، وجاء انقلاب عبد الناصر ورفاقه على الحكومة المصرية بشكل مفاجئ غير مسار الحراك السياسي الشعبي في مصر، اذ جعله من منطلق الأمة والحزب الواحد، بعد إعلانه إلغاء الأحزاب السياسية العام 1953م، وجاء من بعده أنور السادات وأراد إنقاذ الوضع الحزبي فأقر قانون إنشاء المنابر العام 1977 وأصدر أوامره للأحزاب بالانطواء تحته، و خاضت الأحزاب صراعا مع السلطة داخل أروقة المحاكم حتى تمكنت من الحصول على حكم تاريخي بعودة الحياة الحزبية السياسية في مصر في 22 مارس/ آذار العام 1984م.

بيد أن المشرع المصري طبقا للقانون 40 لسنة 1977 وتعديلاته بالقانون 108 لسنة 1992 آثر أن يصادر حق تكوين الأحزاب بل يضعفه الى درجة أصبح معها تأسيس حزب سياسي في ظل الشروط المنصوص عليها من قبل لجنة شئون الأحزاب ضرب من المستحيل. أما قانون الطوارئ فقد أدى إلى محاصرة الأحزاب القائمة وشل فاعليتها بل تجميدها، إذ أصدرت لجنة شئون الأحزاب على إصدار قرارات بتجميد سبعة أحزاب من أصل 16 حزبا معترفا بها من قبل السلطات وهي: "حزب مصر الفتاه - حزب العدالة الاجتماعية - حزب الشعب الديمقراطي - حزب الأحرار - حزب العمل - حزب الوفاق القومي - حزب مصر العربي الاشتراكي " بسبب عدم حسم الخلافات و الصراعات الداخلية داخل هذه الأحزاب وخصوصا فيما يتعلق بالصراع على رئاسة الحزب بين أعضائة.

كما أدى قانون الأحزاب إلي إعاقة إمكان تجديد دماء الحياة الحزبية في مصر إذ ان لجنة شئون الأحزاب تقوم برفض تأسيس أحزاب سياسية جديدة، ففي أكتوبر/ تشرين الأول من العام 2004م جاء قرار اللجنة التي يترأسها رئيس مجلس الشورى المصري صفوت الشريف برفض تأسيس حزبين جديدين هما حزب الوسط الجديد الإسلامي التوجه، وحزب الكرامة العربية القومي، في المقابل منحت هذه اللجنة ترخيصا بتأسيس "حزب مصر 2000" واستند الحكم الصادر من محكمة الأحزاب السياسية إلى تميز برنامج حزب مصر 2000 عن باقي الأحزاب كونه يطرح برامج وقضايا لم يعالجها أي حزب مثل: قضية العولمة وآثاره

إقرأ أيضا لـ "رملة عبد الحميد"

العدد 1096 - الإثنين 05 سبتمبر 2005م الموافق 01 شعبان 1426هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً