العدد 1882 - الأربعاء 31 أكتوبر 2007م الموافق 19 شوال 1428هـ

الجماعات الإسلامية وتديين السلطة بالتقسيط (3)

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

في الجزءين الأولين تحدثت الكاتبة عن بعض أوجه التشابه بين جماعات الإسلام السياسي العربية، وصولا إلى واقع الإسلام السياسي المحلي. في هذا الجزء تستمر الكاتبة والباحثة منى عباس فضل في الحديث عن خلفيات عدد من التيارات السياسية البحرينية من خلال استعراض كتاب الباحث الأكاديمي باقر النجّار «الحركات الدينية في الخليج العربي».

جماعة السلف

أما جماعة السلف كما يخبرنا النجّار، فهي تتحدر من عائلات بحرينية معروفة، وتضم بعضا من العرب الهولة من العائلات التجارية التقليدية، وبعض الشرائح الجديدة من الطبقة الوسطى التي أتاح لها تعليمها وتقربها من مؤسسات الدولة أن ترتقي اقتصاديا واجتماعيا، وغالبية من الشرائح الدنيا من الطبقة نفسها ومن ذوي الدخل المحدود ممن وصلت إليهم الجماعة وحلت مشكلاتهم المعيشية والاقتصادية. بمعنى أن حركة الإخوان المسلمين أقرب إلى التنظيم النخبوي على حين الحركة السلفية أقرب إلى الحركة الجماهيرية التي تضم الطبقة الكادحة الفقيرة.

وجماعة السلف هي الأخرى - من وجهة نظر النجّار - تنأى بنفسها عن عقد تحالفات سياسية مع القوى السياسية المعارضة، وخطابها السياسي ضبابي وخالٍ من تبنّي مواقفَ سياسية واضحة من المؤسسة الرسمية، كما يكفِّر بعض عناصرها القوى والجماعات اليسارية والليبرالية؛ ما أدى إلى تصنيفها في خانة القوى السياسية المتحالفة مع الدولة، وفي صفوفها بعضٌ ممن يتبنى فتاوى شرعية ذات رؤى دينية سلفية متشددة، ويذهب بعض المراقبين إلى أن تنظيماتها لا تتسم بالسرية على غرار جماعات الإخوان المسلمين والحركات السياسية الشيعية على رغم أن قادتها يفضلون العمل غير المعلن.

إلى ذلك، بحسب المؤلف يوجد اختلاف في التكوين الاجتماعي لتنظيم الإخوان والسلف فهما لا يلتقيان سياسيا وفقهيا مع الجماعات السياسية الشيعية البحرينية، بَيْد أنهم لا يتعرضون لمساجد الشيعة ومآتمهم أو تكفيرهم أو التجريح في معتقداتهم الدينية، والحركة السلفية تعارض مظاهر التحديث والانفتاح الاجتماعي و «اللبرلة» ولا تجنح لتوظيف العنف في فرض أفكارها الفقهية، كما أنها تستند إلى الدلائل الشرعية في إشراك المرأة في العمل السياسي، وتتشدد في إعطائها حقوقا سياسية - محسومة اجتماعيا.

أما في البرلمان فهي تعالج قضايا هامشية مثل العطل الرسمية والحفلات الغنائية والاختلاط بين الجنسين داخل الجامعات وأماكن العمل وحق المرأة المنقبة في سواقة السيارة، والبعض منهم يندد بالأعمال الإرهابية التي تقوم بها الجماعات السلفية في المناطق الأخرى، في الوقت الذي تحرص فيه على تدفق التمويل المادي لأنشطتها من المجتمعات الخليجية، وتنفي في الوقت ذاته أية صلة لها بتنظيم «القاعدة»، إلا أن هذا النفي لا يصل ببعض أعضائها إلى انتقادات شديدة للأعمال الإرهابية. وهي تتبني فكرة المشاركة في العملية الديمقراطية من باب درء المفاسد الكبرى، ولم تتعرض للانشقاقات التي تعرضت لها الحركة السلفية في دول الخليج الأخرى.

مواقفُ نفعية... عيديات وعلاوات وإكراميات

يصل المؤلف إلى أن أداء تيار الإخوان المسلمين في البرلمان البحريني، كان ضعيفا ومتخبطا ومترجحا بين المطالب الخدماتية (عيديات وعلاوات وإكراميات) واندماج في الممارسات الرسمية - أي أن مواقفه نفعية - كما كان الهدف منه الحصول على المكاسب للمنتسبين إليه ومريديه وأنصاره من مناصبَ وترقيات في مؤسسات الدولة، ولاسيما أن له حضورا مؤثرا في وزارتي التربية والتعليم، والتنمية الاجتماعية والهيئة العامة للمعلومات وبعض كليات جامعة البحرين.

أما لماذا لم يلعب هذا التيار دور المعارض السياسي فذلك - من وجهة نظر الكاتب - لعدم قدرته على ذلك؛ لأسباب ذاتية وتاريخية لها صلة بايديولوجية الإخوان المسلمين عموما، وغلبة السمة الوعظية على خطابهم، وافتقارهم إلى قيادة سياسية قادرة على تجاوز الانحيازات الإثنية إلى القضايا العامة، وترجّحهم بين دعم المواقف السنية المتشددة والمقيدة للحريات المدنية والفصل بين الجنسين في معاهد التعليم والأماكن العامة وإقامة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وافتقارهم إلى القدرة على نسج علاقات مع الأطراف السياسية والمذهبية الأخرى.

الإسلام السياسي الشيعي

استكمالا لما بدأنا تتبعه في قراءة الكاتب والباحث الأكاديمي باقر النجّار في كتابه «الحركات الدينية في الخليج العربي»، فإن الإسلام السياسي الشيعي حضوره حديث في الخليج العربي مقارنة بحركة الإخوان المسلمين، ولاسيما أنّ الثورة الإيرانية هي من وراء فكرة إعادة إحياء الإسلام السياسي الشيعي، إذ بدّلت من مواقف جماعات الإسلام السياسي الشيعي وأولوياتها، وحوّلت بعضها من قوى سياسية حليفة للأنظمة السياسية إلى قوى ثورية راغبة في إقامة نظام إسلامي يشبه النظام الإيراني أو في نشر الديمقراطية وإتمام الإصلاح السياسي، فالتحوّلات الفكرية والايديولوجية التي جرأت عليها هي نتاج لتحوّلات الحالة الإيرانية من الثورة إلى الدولة، مضيفا أنّ التأطير السياسي الواضح لهذه الجماعات قد بدأ منذ نشأة حزب الدعوة الشيعي في العراق في 1958، كما أنّ الظروف السياسية البحرينية قد منعت هذه التنظيمات من العمل العلني على رغم أنّ بعض رموزها كانت تنشط في خلايا حزب الدعوة، والأخير يقترب في أطروحاته من أطروحات حركة الإخوان المسلمين. وجد الكاتب أنّ الثورة الإيرانية لم تكن ثورة سياسية عقائدية، بل ثورة اجتماعية واقتصادية وثقافية وفكرية تأثرت بها قطاعات كبيرة من المجتمع العربي؛ ما انعكس على حالة «التثوير» من الثورة، التي عاشتها التجمعات الشيعية بسبب أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية الحرجة التي كان من نتائجها نشوء تنظيمات ثورية شيعية تبنى بعضها مبدأ العنف في صراعه مع السلطات.

في سياق تحليله، أشار إلى أنّ المؤسسة الدينية غير الرسمية تحتل مكانة خاصة لدى شيعة البحرين، وهي ذات تأثير بالغ في أوساطها مقارنة بالجماعات السياسية الأخرى اليسارية والقومية والليبرالية، وأنّ تأثيرها في الوسط الاجتماعي الشيعي يفوق تأثير المؤسسة الدينية السنية في محيطها الاجتماعي؛ وذلك لأسباب تاريخية تتعلّق بعلاقة المؤسسة الشيعية بالدولة والأخذ بمبدأ المرجعيات المذهبية. من جهة متصلة، تنقسم المؤسسة الدينية الشيعية إلى مجموعتين إحداهما حسمت موقفها من الدولة ومندمجة فيها لتقاطع المصالح والأهداف، والثانية معارضة.

الأولى تنطلق من فكرة أنّ المعارضة جلبت للشيعة العزل والتهميش، وهي تنقسم أيضا إلى فئتين منهم رجال الدين المنتمون إلى المؤسسة الفكرية المحافظة وغير القادرة على تطويع الكثير من المفاهيم الدينية للمتغيرات المحيطة والعالمية السريعة التغيير، ومنهم من يرى أنّ الدين صالح لكلّ زمان ومكان والعلّة تكمن في تفسير الدين لا في الدين نفسه، وخطابهم يتسم بالوعظ الديني عوضا عن الجانب السياسي أو الثقافي وبعضهم يتميّز خطابه بمضمون ثقافي يتجاوز الايديلوجيا والانحيازات المذهبية الضيّقة.

بالنسبة إلى المجموعة الثانية المعارضة يمثلها المجلس الإسلامي العلمائي، وتلتقي مع الأولى في رؤاها الدينية والوعظية، وتختلفان في المضامين السياسية في خطابها الديني، كما يختفي من خطابها الديني المسحة الثقافية التي ميّزت بعض رموز المؤسسة الدينية الجديدة في إيران ولبنان، وتتسم رؤى بعض رموزها الشرعية والفقهية بالطابع المحافظ، ممن يعارضون إصدار قانون موحّد للأحوال الشخصية، كما أن اختفاء الشخصية المرجعية العليا التي توافق عليها المجموعتان وتفرعاتها يجعل من اتفاقهما أمرا ضبابيا.

إنّ العلاقة بين أعضاء هذه المؤسسة تتميز بتراتبية مقدّسة وشديدة الجمود وتحكمها الرتبة الدينية المعترف بها من رجال الدين والأصول الاجتماعية وأحيانا الإثنية، وتبقى مكانة الفرد الجماهيرية معيارا مهما سواء من حيث أحكامه الشرعية أو قدرته على التعبئة السياسية.

يخلص المؤلف إلى أنّ الوسط الديني الشيعي في البحرين لم يفلح في إخراج قيادات دينية ثقافية كالشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيدمحمد حسين فضل لله والسيدهاني فحص وآخرين. وتعتبر قيادات هذا التيار المسجد والحسينيات وسطا سياسيا وآلية مهمة في الاختلاط بالجماهير والتأثير فيهم ومنبرا فاعلا في نشر الأفكار، كما أنّ بعض رموزه يمتلك خطوط اتصال مع الدولة أو بعض رموزها، على رغم أنه لا يقيم صلاتٍ مع القوى والتيارات السياسية غير الإسلامية أو التيارات الإسلامية السنية، وبعضها يحمل مواقفَ عدائية من القوى العِلمانية والليبرالية ويصفها بالكفر ومعادة الدين وبالتالي توجب محاربتها. من جهة أخرى، قد تبدو هذه المؤسسة للبعض متماسكة، إلاّ أنها في واقع الأمر تمثّل تعددية سياسية وفقهية متناقضة أحيانا.

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 1882 - الأربعاء 31 أكتوبر 2007م الموافق 19 شوال 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً