العدد 2223 - الإثنين 06 أكتوبر 2008م الموافق 05 شوال 1429هـ

كادر التمريض يُولد «ناقصا»

منى عباس فضل comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

جاء «كادر التمريض» المُعلَن عن ولادته حديثا بعد مروره بمخاض عسير توقف فيها بعدد من غرف العمليات التي أعملت مباضعها فيه يمنة ويسرا، جاء من مع الأسف مولودا ناقصا غير مكتمل النمو، بل ومشوها بضمور أعضاء له هنا وأخرى هناك وبالتالي لا يُلبي تطلعات أصحاب المهنة.

معلوم إنّ وراء ولادة «كادر التمريض» بهذه «الخلقة» أسباب جوهرية بينتها التحليلات الصحافية المفصلة. منها المطاردة والحصار المفتعل الذي تعرّض له مَنْ حملوا «الكادر» على عاتقهم طيلة الأشهر الماضية من قبل بعض الجهات الرسمية ممن استخدموا أثناء مطاردتهم وحصارهم الدؤوب كل ما توافر تحت أياديهم من سلطات وعدد وأسلحة قانونية وإدارية إجرائية وإعلامية، عبّرت عن مستوى عال ومحكم من التنسيق وتبادل الأدوار، التي اتصفت بالتعاون حينا وبالشدة والزجر التأديبي أحيانا أخرى كي تكون جمعية التمريض عبرة لمن اعتبر. تعاون قلّ نظيره عند إنجاز بعض المهمات التي تستوجب التعاون والتنسيق بين الدوائر الرسمية لحل مشكلات عالقة تخص المواطنين.

الحصار والمطاردات تطوّرت نوعيا، فتمظهرت في بعض المنعطفات بمظاهر كرتونية عبّرت تارة عن استخفاف فاقع لمنظمات العمل الأهلي، وتارة أخرى عن استغفال حاد للعقل والمنطق تجاه المطالب الحقوقية والمهنية، المطاردات والحصار أديا بطبيعة الحال إلى إماطة اللثام عن وجود أزمة مفتوحة ومكشوفة الرأس.

عن أية أزمة نتحدّث هنا؟ بالطبع عن أزمة علاقة المنظمات الأهلية بالقانون المنظم لأنشطتها وما له صلة بالمطالبات الحقوقية والمهنية لمن تمثلهم تلك المنظمات، ولاسيما إنّ وضع في الاعتبار اتساع رقعة هذه المطالبات في ظل وتيرة المتغيرات الاقتصادية والاهتزازات السياسية التي تتحرك في إطار سوق حر يتعرّض لارتفاع معدلات التضخم وزيادة الأسعار وما تفرزه السوق من بطالة وفقر وعوز وخفض لمستوى الدخول وقلة جودة المعروض من فرص العمل بسبب تدني رواتبها وقسوة ظروفها، ما يستدعى إيجاد حلول جذرية لا ترقيعية لمظاهر أزمات المهن كمهنة التمريض التي ما إنْ تمت المطالبة بكادرها حتى ظهرت على السطح إشكالياتها.

أزمة الصحة

من مظاهر أزمة مهنة التمريض البحرينية، هي إشكالية وزارة الصحة مع جمعية التمريض التي طالبت بالشراكة لإطلاق سراح كادرها. ففي هذا الشأن تجاهلت الوزارة عن عمد وإصرار فتح معابر وقنوات حوارية هادئة ورزينة مع ممثلي الجمعية، واعتبرت نفسها خصما فوق الجميع وخاضت معركة كسر عظم، ما جعلها تدير الظهر لمطالب فئات واسعة من الممرضين والممرضات، واتبعت سلوك اللامبالاة والتجاهل لجوهر حقهم في تحقيق شراكة حقيقية وتقدم نوعي على مستوى المهنة، فضلا عن النظر إلى تلك المطالب بمنظار استراتيجي يضع في حسبانه مستقبل المهنة وسمعتها، يُضاف إليها كيفية تعاملها مع احتجاجات حركة الشارات البيضاء والبرتقالية السلمية حيث اتسمت معاملتها بالتسلّط التقليدي بين المدير والموظف.

في حقيقة الأمر، هذه المعاملة لا تصلح ألبتة لزمن الممارسات الديمقراطية وشيوع أدوات الرقابة والمحاسبة المحلية والدولية. وهي بهذا التحدّي دفعت الوضع إلى المزيد من التأزم والاحتمالات المفتوحة وغير المتوقعة، خصوصا وإنها أسست إلى نفور في أوساط المقبلين على دراسة وامتهان التمريض، إذ يسود شعور بأنها مهنة غير مأمونة الظروف وليس بها مميزات محفزة، وهذا بالطبع لا يصب في صالح توسيع الخيارات في سوق العمالة الوطنية.

أزمة التنمية

المظهر الآخر من الأزمة برز في إشكالية وزارة التنمية الاجتماعية. وهي أزمة مُتراكمة وليست وليدة اللحظة ولن تحل بفرض كادر التمريض من وجهة النظر الرسمية، بل ستعاود الظهور تكرارا ومرارا عند التصادم مع أية منظمة من المنظمات الأهلية، أو عند نشاط أية حركة مطلبية أخرى. نعني بالأزمة هنا، استخدامها لمرسوم القانون المنظم لنشاط الجمعيات الأهلية لعام 1989.

هذا القانون كما هو مدرك وُلد من رحم قانون أمن الدولة المقبور، والإصرار على وجوده وتطبيقه هو في الواقع انعكاس لاستمرار العمل بذهنية استبدادية تسلّطية، فضلا عن صراع مع الذات وما تدعيه من جهة ممارستها وتطبيقها لشعارات متقدّمة تدعي الإيمان بشراكة المنظمات الأهلية وحتميتها، في الوقت الذي تهمشها وتتجاوزها حين اتخاذ قرارات تخصها وتطبّق عليها جزاءات القانون حرفيا وكأننا في العام 1989.

إنّ تاريخ وزارة التنمية حافل بهذه الممارسات، فهي التي عرقلت باسم القانون إشهار الاتحاد النسائي البحريني وأجلته سنوات إلى أفرغته من مضمونه الحقيقي، وهي التي تدخلت في فترة ما وتحت حجج شكلية وأقفلت بالشمع الأحمر جمعية الشفافية وغيرها واتخذت بحقهم إجراءات تأديبية وجمّدت أنشطتهم وأرصدتهم المصرفية وعيّنت من طرفها مجالس إدارة صورية عوضا عن مجالس إدارتها المنتخبة بحجّة الخلافات الداخلية أو التباينات في وجهات النظر بين أعضائها.

يذكر أنّ هذه الأفعال غالبا ما تكون مقرونة بنشاط المنظمات وبما له صلة بالشأن السياسي أو الحقوقي المطلبي، وهذا ما يحدث الآنَ مع «جمعية التمريض» التي جاء عقابها هذه المرة بتسليم مفاتيحها وأرصدتها المصرفية لمجلس إدارة صوري كرد فعل على مطالباتها بالشراكة لإقرار كادر التمريض وتحسين ظروف المهنة. فالمراد ألا يكون هناك سابقة تستنير على هديها المنظمات الأهلية الأخرى في مطالباتها وأنشطتها الاحتجاجية.

لا ريب أنّ سلوك الوزارة يعبّر عن أزمة تُعاني منها، وعن فشل حتى هذه اللحظة في استعجال الاتفاق على مسودة قانون المنظمات الأهلية الذي أثار جدلا وسخطا منذ طرحه للنقاش في نوفمبر/ تشرين الثاني 2007. وقتها لعبت الوزارة دورا في تحجيم مسودة القانون المقترحة من المنظمات الأهلية وتجريدها من صفتها الاعتبارية وما تمثله.

حتى المنظمة الأهلية بالتعيين؟

لهذا وذاك، ليس من المنطقي تسمية «جمعية التمريض» منظمة أهلية تمثل أصحاب المهنة، وهي تدار من قبل مديرة معينة من وزارة التنمية لا تُمارس نشاطا في الجمعية ولم تجدد عضويتها وتدفع اشتراكها منذ سنوات، وتصرح وتطعن في شرعية مؤتمر عقدته الجمعية العمومية مؤخرا ولا تقر بحضور ورقابة مؤسسات أهلية أخرى معترف بها محليا ودوليا وكأنّ هذه المؤسسة إدارة من إدارات الوزارة.

إنّ هذا الفعل به ما به من استغفال وتضليل، ولاسيما حين تم نفي تجميد الحساب المصرفي للجمعية وعلل ذلك بسبب تغيير التوقيعات المعتمدة - أي توقيع المديرة المعنية بدلا من توقيع رئيسة الجمعية التي جدد انتخابها من قبل الجمعية العمومية -. هذا السلوك أقل ما يُقال عنه أنه تصرف غير حضاري ولا مسئول ولا يضع في اعتباره النتائج الوخيمة المترتبة عليه.

إلى هنا، يستوجب التشديد على أنّ المنظمات الأهلية لم تولد ولم يؤسسها أصحابها والمنتمين إليها لكي تعبر عن طموحات ومصالح المسئولين بالدولة، أو عن حاجات الأقلية والنخبة من أصحاب هذه المهنة أو تلك فقط، بل يفترض في تلك المؤسسات أنْ تعبّر عن حاجات أغلب الفئات التي تمثلها والتي استوجبتها ظروفهم المهنية فقرروا بكامل أهليتهم وحريتهم التجمع حول موقف ورؤية لتحقيق تقدم على مستوى أنشطتهم ومجال مهنتهم التي يعملون فيها، لا أن تكون إدارة من الدوائر الرسمية مهمتها تنفيذ الأوامر وما يملأ عليها من إجراءات إدارية.

وعليه، لا يجوز أن تتحمل «جمعية التمريض» ومن تمثلهم وزر دفع ضريبة الأزمات التي تعاني منها بعض الدوائر الرسمية في علاقتها مع المنظمات الأهلية، وبالتالي القبول بكادرا ولد ناقصا، لا يلبي حاجات أغلبية الممرضين والممرضات. كان يفترض أن تتغلب العقلية التفاهمية القادرة على معالجة الموقف عوضا عن التأزيم، وذلك منعا للانحدار الذي وصل إليه الحال.

هنا لابدّ من إدراك حقيقة، ألا وهي إنّ الشراكة لا تولد من رحم الذهنية الأمنية التسلطية المؤمنة بالتعين، بقدر ما هي وليدة رحم آخر يُؤمن بالممارسة الديمقراطية ويتسم بالتسامح والتفاهم ولغة الحوار الجاد

إقرأ أيضا لـ "منى عباس فضل"

العدد 2223 - الإثنين 06 أكتوبر 2008م الموافق 05 شوال 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً