العدد 233 - السبت 26 أبريل 2003م الموافق 23 صفر 1424هـ

بعد احتلال أفغانستان والعراق... هل بدأت الموجة الاستعمارية الرابعة؟

محمود حسن جناحي comments [at] alwasatnews.com

-

لم يمض عام على استكمالها احتلال أفغانستان، حتى قامت أميركا باحتلال بلد إسلامي آخر هو العراق. فهل يعتبر هذا إيذانا ببدء موجة رابعة جديدة من الاستعمار العسكري المباشر تتعرض له ديار الإسلام والمسلمين؟

بدأت الموجة الاستعمارية الأولى بوصول أولى الحملات الصليبية إلى المشرق العربي في أواخر القرن الحادي عشر الميلادي، في وقت كانت فيه القوى الإسلامية الرئيسية (السلاجقة والفاطميون) تعاني من الضعف والتمزق، فتم تحقيق الهدف الرئيس المعلن من وراء هذه الهجمة الصليبية الغربية وهو احتلال القدس الشريف سنة 1099 ميلادي.

روى ابن الأثير في تاريخه (8/189) عن دخول الصليبيين للقدس فقال: «لبث الفرنج في البلدة أسبوعا يقتلون فيها المسلمين، واحتمى جماعة من المسلمين بمحراب داوود، فاعتصموا به، وقاتلوا فيه ثلاثة أيام، وقتل الفرنج في المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألفا، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وعلمائهم وزهادهم، ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف».

كما وصف ستيفن رنسيمان في كتابه «تاريخ الحروب الصليبية» ما حدث في القدس يوم دخلها الصليبيون فقال: «وفي الصباح الباكر من اليوم التالي اقتحم باب المسجد ثلة من الصليبيين، فأجهزت على جميع اللاجئين إليه، وحينما توجه قائد القوة ريموند أجيل في الضحى لزيارة ساحة المعبد أخذ يتلمس طريقه بين الجثث والدماء التي بلغت ركبتيه. وتركت مذبحة بيت المقدس أثرا عميقا في جميع العالم، وليس معروفا بالضبط عدد ضحاياها، غير انها أدت إلى خلو المدينة من سكانها المسلمين واليهود، بل إن كثيرا من المسيحيين اشتد جزعهم لما حدث».

لقد كانت هذه الحملات الصليبية عبارة عن موجات استعمارية همجية، استمر وجودها لمدة قرنين، أقامت خلالها أربع ممالك في الرها (جنوب تركيا)، وأنطاكية (الساحل السوري)، وطرابلس (شمال لبنان)، وبيت المقدس (فلسطين وجنوب لبنان)، ومكن الله المسلمين من القضاء عليها، على يد أبطال من أمثال عماد الدين زنكي، ونور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي.

أما الموجة الاستعمارية الثانية فقد كانت نتاجا للحرب الضروس بين القوى الإسلامية والصليبية في الأندلس. وقد بدأت خلال النصف الثاني من القرن الميلادي الخامس عشر، أي مع تراجع المسلمين إلى الأجزاء الجنوبية من شبه الجزيرة الأندلسية، ثم سقوط غرناطة، الملاذ الأخير لمسلمي الأندلس في العام 1492 م. لقد أغرى ضعف المسلمين كلا من مملكتي اسبانيا والبرتغال الفتيتين للهجوم على الساحل الافريقي، وإقامة مستعمرات امتدت من طرابلس الغرب شرقا، إلى سبتة ومليلة غربا، ثم امتدت بعد اكتشاف رأس الرجاء الصالح لتشمل مناطق بعيدة عن المسرح الأصلي للعمليات بفضل القوة البحرية الهائلة لهاتين المملكتين، فوصلت جحافل المستعمرين إلى المناطق الإسلامية في شرق افريقيا، ومنها إلى الخليج العربي وسواحل الهند.

أما الموجة الاستعمارية الثالثة، فقد بدأت بالحملة الفرنسية على مصر العام 1798م. وهذه الحملة وإن لم تنجح من الناحية العسكرية بسبب منافسة القوة الاستعمارية الأخرى بريطانيا، فإنها كشفت عن مدى ضعف الدولة العثمانية وقتذاك، فكانت حافزا لسلسلة من الحملات الاستعمارية المنظمة، التي بدأت بالهجوم الفرنسي على الجزائر العام 1830 م، تبعتها موجات استعمارية رهيبة، انطلقت من فرنسا وبريطانيا وإيطاليا واسبانيا وروسيا، لتغطي أربعة أخماس العالم الإسلامي، ولا تزال بعض آثارها قائمة إلى اليوم كفلسطين، وسبتة ومليلة.

أما الموجة الاستعمارية الرابعة، المنطلقة أساسا من أميركا، فيبدو أن ملامحها اكتملت مع دخولنا القرن الميلادي الواحد والعشرين، فهاجمت أميركا واحتلت مستعينة بآلتها الحربية الهائلة دولتين إسلاميتين مستقلتين هما أفغانستان والعراق. فيا ترى... هل ستكون هناك أهداف أخرى في المستقبل القريب، وخصوصا أن المغريات كثيرة. ولكن، ما الضحية المقبلة لهذه الهجمة الاستعمارية يا ترى؟

هل ستكون سورية، الدولة العربية الوحيدة من ضمن دول الطوق الرئيسة والتي لم تعترف بعد بإسرائيل، والتي توفر الحماية لحزب الله في الجنوب اللبناني، والتي تتميز (كما العراق) بنسيج طائفي معقد يمكن استغلاله.

أم ستكون السعودية الضحية التالية. وها هي التلميحات الرسمية وشبه الرسمية تصدر عن الأميركان من حين لآخر بشأن تعديل الأوضاع في السعودية، واتهامها بأنها المنبع الديني للفكر الإرهابي، ناهيك عن كونها مصدرا رئيسا آخر للنفط. وهانحن نسمع عن تلك الاتصالات «الخاصة» التي تجريها أميركا مع شخصيات ومجموعات معينة في هذه الدولة الشقيقة لأخذ رأيها (!) بشأن الوضع المستقبلي للدولة.

أم ستكون إيران هي المستهدفة لاحقا، فهي أحد الأطراف الثلاثة في محور الشر بالنسبة إلى أميركا الوديعة الخيّرة ! وهي الدولة التي تخاصم أميركا علنا منذ أكثر من عقدين من الزمان.

وليس من المستبعد أن تكون باكستان هي الساحة المقبلة للموجة الاستعمارية الأميركية الصهيونية على العالم الإسلامي. فباكستان هي الدولة النووية الإسلامية الوحيدة اليوم، وهذا بالنسبة إلى أميركا و«إسرائيل» وضع لا يمكن التغاضي عنه. وقد خطت باكستان أخيرا خطوات مهمة في مجال الاعتماد على النفس من الناحية العسكرية، فنجحت في إنتاج الدبابة (خالد) التي تعد من بين أحدث الدبابات في العالم، وناقلة الجند المدرعة (طلحة)، والصواريخ البعيدة المدى. لقد حققت باكستان كل ذلك في ظل تنامي شعبية التحالف الإسلامي، الذي حقق نتائج طيبة في الانتخابات الأخيرة، كما أن الجيش الباكستاني معروف بوجود ضباط متدينين كبار في صفوفه!

والسودان كذلك هدف غير بعيد عن بال الأميركان واهتماماتهم، فهي تسبح على بحر من النفط الذي لم يستغل شيء منه بعد إلا القدر اليسير. وبالسيطرة عليها، تكتمل الهيمنة الأميركية على مثلث المخزون النفطي المستقبلي الهائل (آسيا الوسطى، العراق، السودان). كما أن الأميركان غير راضين تماما عن التجربة الإسلامية فيها.

وكذلك اليمن والصومال، فهي أهداف محتملة قادمة، إذ هي في زعم الأميركان مناطق آمنة للإرهاب والإرهابيين.

ولكن السؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا هو: هل نحن المسلمين قد أصبحنا اليوم (نمتاز!) بهذه القابلية الرائعة لأن نذل ونصبح مادة لهذه الموجة الاستعمارية الجديد؟ نحتاج إلى وقفة أخرى نعالج فيها هذه الإشكالية

العدد 233 - السبت 26 أبريل 2003م الموافق 23 صفر 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً