العدد 2341 - الأحد 01 فبراير 2009م الموافق 05 صفر 1430هـ

حتى لا يكون الجميع أصفارا

رملة عبد الحميد comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

الصفر إن جاء رقما، يعني الخلو، وإن غدا درجة فهي التجمد، وكلاهما موت، والموت غياب، هل يمكن أن يتخيل أحد منا أن تصبح ثقافة مجتمع وفكر وحيوية شباب صفرا؟ بلا جدوى ومن دون قيمة ولا تميز، فلا يمثلون رقما يعبرون عن ذاتهم وعن اختلافهم، فيعيش المجتمع من دون حراك، ومن دون أن يقول الفرد منا من هو؟ وبماذا يفكر؟ وأي حياة يريد؟ فهل جاء اليوم الذي نحيا فيه من دون موقع ومن دون منبر؟.

وجد العرب المسلمون الصفر مفهوما حسابيا خالي المحتوى، فهم أول من قدموه للعالم، ومعه أصبح نظام العد أكثر سهولة، ولذلك لم يجد العلماء الأوربيون بدا من استخدامه بعدما تأخروا عن العرب في النظام العشري قرنيين من الزمن، ويشار أن للصفر وظيفتين عظيمتين هما: الدلالة على معنى: لا شيء، وملء المنزلة الخالية - العشرية - لحفظ ترتيب المنازل، فمنه يبتدئ كل شيء، وفيه ينتهي كل شيء، لقد اختلف مشرق العالم الإسلامي ومغربه في التعبير عن الصفر، ففي مشرق العالم الإسلامي كان يجري تمثيل الصفر بنقطة، بينما كان المغرب العربي يتخذ من الدائرة رمزا للصفر. درجات الحرارة أيضا تقاس بالأرقام، والصفر في هذا النظام يطلق عليه الصفر المطلق وهي التي عبر عنها علماء الفيزياء بأنها (درجة الحرارة التي ينعدم عندها ضغط الغاز المثالي وتعني الحالة التي تكون فيها درجة حرارة المادة أقل ما يمكن أن تصل إليه) وبالتالي تقضي أن تكون ذرات المادة أو جزيئاتها في حالة أقل طاقة ممكنة، ومعها يمكن أن تتجمد خلايا مخ الإنسان ويقف عندها تفكيره، تتعطل حواسه قبل مشاعره.

أخذني الفضول للبحث في المدونات والمواقع الإلكترونية عن واقع الصفر لدى أناس أجهل معرفتهم، لكن تعابيرهم وشروحهم توحي بماذا يشعرون وبماذا يفكرون، أحدهم يقول (إذا كان الصفر رقما مأساويا في الامتحان فهو رقم صعب في الحياة) وآخر (اخترت الصفر... لأنني بعد تفكير وجدت أنه الأفضل) بينما آخر يرى مشاعره تحت صفر (تحت الصفر...! هي درجة الحرارة في العالم الذي أعيشه، وصلت مشاعري لتحت الصفر... من شدة الحاجة والفاقة... والجوع، ومعها تجمدت أطرافي) وفي المقابل تساءل آخر بعنوان من أين نبدأ (هل نبدأ من الصفر؟ أم من صفر القمة) فمن الصفر لا يأخذ تبعات الآخرين، لكنه يجتهد من جديد، بينما صفر القمة تجربة تضاف إلى خبرة، ولكن في المقابل يعيقه ما خلفه قبله، وكلا الصفرين مر، ولم تجد مدرسة إعدادية للبنات في قطر موضوع ندوة لطالبتها سوى «الفتاة الصفر» والتي تهدف إلى تعريف الطالبات بصفات الفتاة الصفر (الخمول، الكسل، الرضا بالدون مع القدرة على الأحسن، التقيد بالروتين وعدم التطلع للجديد،الاستجابة للنفس الأمارة، تعطيل العقل، عقدة المستحيل...) فهكذا يبدو الصفر.

معلمونا في المدرسة يتفادون أن يضعوا صفرا على ورقة إجابات الطلبة في الامتحانات فهم يبحثون في الورقة عن أي مخرج لكي يحصل الطالب على درجة مهما صغرت قيمتها لكنها لا تكون صفرا ففيه شعور بالدونية لا ينساها الطالب في حياته أبدا، ولا يفوتنا أن نذكر هنا أن العرب أطلقوا على ثاني شهر عربي بالتقويم القمري بصفر - بفتح الصاد - لأن البيوت تصفر أي تخلو من أهلها لأنهم يتوجهون للحرب بعد انقضاء الأشهر الحرم - ذو القعدة، ذو الحجة، محرم - والتي يحرم فيها القتال، وقيل أيضا في معناه وفقا لما جاء في لسان العرب لابن منظور (سموا الشهر صفرا لأنهم كانوا يغزون فيه القبائل فيتركون من لقوا صفرا من المتاع)، لذا فصفر شهر يتشاءم منه العرب ويجلب النحس لديهم، لأنه مربوط بالخلو.

الصفر في كل الأحوال يعني خلو القيمة والأهمية ولا يشجع أحدا على الانتماء إليه فكل منا فردا أو جماعة يريد أن يكون كيانا ولا يحاط بإطار مرسوم وفقا لما تريده السلطة وتراه، ليصبح الجميع صفرا، فلا نتحدث إلا ما ترغب في سماعه، ولا نتحاور ولا نختلف، فلا أدبيات تطرح، ولا أفكار تتداول، صحيح هناك من يعلو سقف آرائه، لكنها مرحلة علينا تقبلها واستيعابها لتمر بسلام، فحياتنا قائمة على المشاركة، وليس من حق أحد تهميش ذات الإنسان ورغباته وأحلامه وطموحه ومخيلته لواقع يريده، أو رأي يتبناه، فهي ذات إنسانية تستحق منا جميعا التقدير، ومن غير الإنساني أن يريد أحد ما أن يعبر عن ما يجول في نفسه أو يقرأ ما يريد قراءته من مصادر يثق بها فيتفاجأ بخط أحمر (الموقع محظور) ليتساءل بعدها بأي ذنب أحجبت؟ وبالأمس ظهر كادر أئمة المساجد، وشكلت لجنة لمراقبة المنابر وأصدر قرار يربط بناء دور العبادة والمآتم بموافقة وزارة العدل، فهل هذا تنظيم؟ أم سبيل لوضع اليد وتضييق الحريات فنحن أمة تأبى أن تكون أصفارا لا تساهم في التغيير ولا تبني واقعا ولا تطمح نحو الأفضل

إقرأ أيضا لـ "رملة عبد الحميد"

العدد 2341 - الأحد 01 فبراير 2009م الموافق 05 صفر 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً