العدد 3118 - الأحد 20 مارس 2011م الموافق 15 ربيع الثاني 1432هـ

الأرض بتتكلم عربي

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

قبل أكثر من شهر أجرت صحيفة أميركية (وول ستريت جورنال) مقابلة مع الرئيس السوري بشار الأسد في 31 يناير/ كانون الثاني بشأن التطورات الحاصلة في تونس ومصر. آنذاك استبعد الرئيس الأسد أن تنتقل شرارة الانتفاضة الشبابية إلى سورية معتبراً أن النظام مختلف ويتمتع بحصانة وممانعة، لأنه قريب من الشعب وتربطه بالمجتمع تقاطعات أيديولوجية تمنع حصول حركات معارضة على غرار ما يحصل في تونس ومصر.

تحليل الرئيس السوري يتمتع بقدر من الصحة في جانبه الأيديولوجي. فهناك فعلاً بعض الترابط بين السلطة والناس في أمور محددة لها صلة بالقضايا الوطنية العامة، لكنه لا يختلف كثيراً عن طبيعة النظامين التونسي والمصري (الحزب الواحد، قانون الطوارئ، الرأي الواحد، الرئاسة الدائمة) ما يعني أنه ليس خارج السرب.

الأمر نفسه تكرر مع وزير الخارجية السابق أحمد أبوالغيط حين استبعد بدوره أن يحصل في القاهرة ما حصل في تونس، معتبراً أن طبيعة السلطة في مصر تختلف عن نظام زين العابدين بن علي. وما كاد ينتهي من يقينياته حتى بدأت الشرارة تنتقل بقوة إلى شوارع الاسكندرية والقاهرة ومدن الصعيد وقناة السويس.

كذلك حصل الأمر نفسه في اليمن حين أكد الرئيس علي عبدالله صالح أن طبيعة السلطة في بلاده مختلفة، وبالتالي لا يمكن استيراد النماذج من الخارج وتقليدها واستنساخها عن مصر وتونس. وحين انفجرت الانتفاضات في اليمن من كل حدب وصوب اتهم الرئيس صالح قوى أجنبية بالتآمر على الوحدة والاستقرار مشيراً إلى وجود غرفة عمليات سرية في واشنطن وتل أبيب تدير وتوجه وتصنع الأزمات في المنطقة.

أما الديكتاتور الليبي فكان الأكثر وضوحاً في استبعاد حصول انتفاضة في الجماهيرية بذريعة عدم وجود نظام حتى يتم إسقاطه. وحين انفجرت الثورة في بنغازي وأخذت الجماهير بالزحف إلى طرابلس اختل عقله وأصيب بهلوسة وجنون عظمة مستغرباً مطالبته بالاستقالة وهو قائد ثورة، وقائد الثورة لا يستقيل. كذلك استغرب مطالبة الانتفاضة بأن يتخلى عن مناصبه وصلاحياته بينما برأيه لا يتمتع بالمناصب والصلاحيات حتى يستقيل ويتخلى عنها.

كثير من النصوص والتعليقات والشهادات الرسمية الموثقة بالصوت والصورة يمكن استعراضها لتبيان مدى التشابه وربما التطابق في قراءة المتغيرات التي أخذت تعصف بالمنطقة من المحيط إلى الخليج. كل الدول تقريباً تعرضت لخضات واهتزازات، ومعظمها شهدت مظاهرات أو اعتصامات أو احتجاجات تطالب بالتغيير وإعادة الهيكلة وأحياناً الرحيل وانتخاب البديل.

كل الدول العربية تقريباً كانت أمام امتحان تاريخي خطير، ولا يمكن استثناء إلا القلة. حتى القلة لم يعد بالإمكان استبعادها عن خريطة الطريق التي أخذت تزحف وتنتقل وتعصف وترعد وتبرق على درجات متباينة في الحجم والنسبة واللون، لكنها لا تميز بين نظام أيديولوجي وآخر سواء كان قريباً إلى شعبه بالشعارات الوطنية أو بعيداً عنه. فالموضوع كما يبدو لا علاقة له بالممانعة والاعتدال أو بالقرب من الولايات المتحدة أو الابتعاد عنها. لا ضمانات لأحد ولا مظلة تحمي أحداً.

الرئيس السوري مثلاً فسر سقوط الرئيس المصري أيديولوجياً، معتبراً أن الانتفاضة المصرية حصلت ضد اتفاقات كامب ديفيد. المشكلة برأيه أيديولوجية وهي أدت إلى استياء الشعب المصري وتمرده على رئيسه. كامب ديفيد هي السبب ولا شيء آخر غير كامب ديفيد. إلا أن المشكلة كما يبدو أكبر وتتجاوز حدود مساحة كامب ديفيد. كل الأنظمة تقول إنها مختلفة وتأتي الحوادث لتؤكد أن لا صحة لهذا الادعاء.

النظام الإيراني مثلاً يعاني من اهتزازات بنيوية وهو حتى حين يتهرب من أزماته الداخلية بتصديرها إلى الخارج لا يستطيع إنكار وجود معضلة لا يعرف أسبابها ومسبباتها سوى اتهام «الخارج» بتدبير مؤامرة على «الداخل». والرئيس محمود أحمدي نجاد لا يختلف في هلوساته الأيديولوجية كثيراً عن القذافي على رغم ابتعاد طهران جغرافياً وسلطوياً عن طرابلس. الديكتاتور يعتبر أن الملايين تدعمه والجرذان والفئران والحشاشين فقط يعارضونه. كذلك الأمر يحصل مع الرئيس الإيراني حين يبدي تخوفه من إعطاء قوى الاعتراض رخصة للتظاهر السلمي بذريعة أن الجماهير معه وهي لا تريد مشاهدة من يعترضها تتحرك ميدانياً على الأرض.

التشابه بين الأنظمة يبدو أقرب من التباعد حتى لو تمظهرت الصورة في أشكال لونية متخالفة. اليمن وليبيا من مدرسة متقاربة في أسلوب تعاملها الدموي مع قوى الاعتراض والانتفاضة، بينما تونس ومصر من مدرسة سلمية بالمقارنة مع الأنظمة الأخرى. وسبب الاختلاف بين المدرستين لا يعود إلى طبيعة السلطة بل إلى تخالف البنية الاجتماعية للنظام. المجتمع في تونس ومصر أقرب إلى المدني بينما في ليبيا واليمن أقرب إلى الأهلي.

المسألة إذاً ليست أيديولوجية وإنما تاريخية. حتى تلك السلطة التي تأسست في العراق بالتحالف والتعاون والتعامل مع الاحتلال الأميركي أخذت تتعرض إلى امتحان صعب يبدأ بأسئلة عن السرقة والنهب والاحتيال وتهريب الأموال ولا تتطرق إلى العمالة والخيانة والتواطؤ مع الأجنبي لغزو بلاد الرافدين. النموذج الأميركي الذي تم تصنيعه في البنتاغون وتصديره إلى العراق ليكون ذاك المثال للاحتذاء به في الشرق الأوسط بدأ يعاني من تخثر بنيوي وبسرعة زمنية قياسية لا يمكن حتى مقارنتها بآليات التفكك التي أخذت تنخر أنظمة أكل الدهر عليها وشرب.

المسألة ليست كامب ديفيد وإنما مجموعة «كامبات» تحمل الكثير من الأسماء والعناوين والشعارات المتخالفة في الألوان والأحجام والنسب، لكنها تتقاطع بنيوياً لزعزعة سلطات تعايشت تحت مظلة مشتركة تتحكم في إنتاج سياستها آليات تستطيع توليد انتفاضات متنوعة في أنغامها ومتشابهة في أحلامها وطموحها نحو التغيير بين كفى وارحل.

الخطاب العربي الرسمي يبدو متشابهاً إلى حد كبير في التعامل مع معطيات وأسباب ومسببات حركات الاعتراض. فالكل تقريباً يستبعد أن يتعرض نظامه للانتفاضة، والكل ينفي وجود تشابه بين سلطته والسلطات الأخرى، والكل يقدم جملة عوامل تظهر مدى الاختلاف بين جمهوره وجمهور غيره من الدول. فالخطاب في مجموعه ومحصلته السياسية النهائية يشكل فعلاً وثائق تاريخية أرشيفية يمكن الاعتماد عليها لاحقاً لإعادة قراءة تاريخ المنطقة حين تستقر الأحوال وتعود المياه إلى مجاريها الطبيعية.

أما المقارنة الآنية بين الخطابات العربية الرسمية فهي تقدم مادة حيوية يمكن استخدامها إعلامياً للقول إنه لا مناص من التغيير لكون معظم الأنظمة انتهت مدة صلاحياتها وهي بحاجة إلى إصلاحات حقيقية حتى تصبح قادرة على التكيف والتأقلم مع التطورات والتحولات المدهشة والمتسارعة في مختلف بقاع الأرض العربية.

الآن ومنذ زمن طويل وبعد غياب قسري عادت الأرض بتتكلم عربي. فاللغة أصبحت واحدة في لهجاتها المتنوعة والمتعددة، وهي تؤكد من جديد على المشترك العربي من المحيط إلى الخليج

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 3118 - الأحد 20 مارس 2011م الموافق 15 ربيع الثاني 1432هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 8:16 م

      ......

      الخطاب العربي الرسمي يبدو متشابهاً إلى حد كبير -التحليل جميل شكراً ياوليد

    • زائر 1 | 4:50 ص

      لا فض فوك

      اشكرك اخ وليد على طرحك للموضوع

اقرأ ايضاً