العدد 3393 - الأربعاء 21 ديسمبر 2011م الموافق 26 محرم 1433هـ

المُبدَّل بوصفه «متلازمة»

حسين محمد حسين comments [at] alwasatnews.com

.

المتلازمة أو التناذر (Syndrome) تعني أن هناك مجموعة من الأعراض المرضية والعلامات التي تظهر على الفرد متزامنة مع بعضها البعض وجميعها ناتجة عن علة مرضية واحدة. وبحسب الجماعات الشعبية فإن تعريف المبدل يتشابه مع تعريف المتلازمة؛ فالمبدل، بحسب تلك الجماعات، هو حالة مرضية واحدة تصيب في الغالب الأطفال (أو النساء بصورة أقل، وبصورة أقل من ذلك تصيب الرجال) ولها عدة أعراض أو علامات مرضية، ككثرة البكاء وخروج الأسنان في سن مبكر جداً أو كثرة الأكل أو عدم القدرة على الحركة وغيرها من الصفات التي ذكرناها في الفصل السابق، وفي الغالب لم تكن العامة تكتفي بعرض واحد فقط بل يجب تزامن أكثر من عرض في آن واحد، ومع مرور الزمن فقدت العديد من الجماعات الشعبية ارتباطها بمعتقد المبدل بوصفه متلازمة متعددة الأعراض وبدأت ترتبط بصورة أكبر مع أعراض المبدل بصورة منفردة. بمعنى آخر إن معتقد المبدل خضع لعمليات تعميم وتخصيص مختلفة.

المبدل بين التخصيص والتعميم

خضع مفهوم المبدل لعمليتي التخصيص والتعميم إما بصورة عفوية أو بصورة مقصودة، وقد بدأت عملية التعميم المقصودة من قبل عدد من الباحثين الذين درسوا معتقد المبدل وكذلك المعتقدات الشبيهة به في العديد من المجتمعات المختلفة ثقافياً، من مثل Evans Wentz في كتابه «The FairyFaith in Celtic Countries» (W. Y. Evans Wentz، 1911، PP. 247 - 250)، وقد وجد أولئك تشابهاً كبيراً بين المبدل وعددٍ من المعتقدات المرتبطة بالجن من مثل استحواذ الجن على البشر أو ظاهرة استبدال الأرواح أو المس أو غيرها، ووجدوا أن حالات من هذه المعتقدات تتشابه وتتداخل مع معتقد المبدل وبذلك اعتبرت على أنها حالة من حالات الاستبدال أو هي صورة أخرى من صور الاستبدال التي تقوم بها الجن. ويبدو أن عملية تعميم مفهوم المبدل أصبحت رائجة في الوقت الحاضر فقد تم تصنيف معتقد أو ظاهرة جديدة على أنها صورة من صور المبدل وهي معتقد أو ظاهرة Ogbanje وهذا المعتقد مشهور في نيجيريا وقد اشتهر هذا المعتقد عالمياً بعد أن تناوله الكاتب Chinua Achebe وذلك في قصته «Things Fall Apart» والتي نشرت للمرة الأولى العام 1959م، ولم أطلع على الطبعة القديمة منها ولكن النسخ الحديثة تتبع القصة بملحق به تعريفات للمصطلحات الواردة في القصة، وقد تم تعريف Ogbanje على أنه «changeling» أي مبدل، وفي واقع الأمر فإن الجماعات الشعبية التي تؤمن بهذا المعتقد لا تعتقد أن الطفل يتم تبديله بآخر ولكن العملية أكثر تعقيداً من ذلك، وهناك من يرى أن Ogbanje ما هو إلا مرض الأنيميا المنجلية (السكلر) (Asakitikpi 2008، Ilechukwu 2007).

بالإضافة إلى عملية التعميم المقصودة لمفهوم المبدل حدث أيضاً تعميم وتخصيص لهذا المفهوم ولكن بصورة غير مقصودة، وقد حدثت هذه العملية نتيجة ممارسة عدد من الجماعات الشعبية أسلوب خاص في تشخيص أمراض الطفل المتعلقة بالجن والتي تعتمد في الأساس على مراقبة الأعراض والعلامات التي تظهر على الطفل ومن بعدها يتم إجراء الطقس العلاجي لهذا العرض، وهكذا حدث الرابط بين العرض المرضي والطقس متخطياً بذلك التسمية العامة وهي «المبدل» وهذا ما سنناقشه بالتفصيل في عملية تشخيص المبدل.


عملية تشخيص المبدل

تعتمد عملية تشخيص المبدل على ملاحظة الصفة أو مجموعة الصفات التي تزعم الجماعات الشعبية أنها مميزات الطفل المبدل وقد تناولناها بالتفصيل في الفصل السابق، إلا أن مفهوم معتقد المبدل يتباين بين الجماعات الشعبية من منطقة إلى أخرى، ففي بعض الثقافات تم ابتكار طقوس خاصة لكشف أن الطفل مبدل. سنتناول هنا الطريقتين الأساسيتين لتشخيص المبدل وهي طريقة ملاحظة الأعراض وطريقة خداع المبدل.


تشخيص أعراض المبدل

تعتمد هذه الطريقة من التشخيص على ملاحظة التغيرات الشاذة التي تطرأ على الطفل، وهذه هي الطريقة المتعارف عليها في البحرين والبلدان العربية عموماً، فمن خلال مقارنة طقوس عدد من المعتقدات الخرافية عند العامة في البحرين ومناطق أخرى في الخليج العربي يلاحظ أن الجماعات الشعبية في هذه المناطق لم تتناول معتقد المبدل بمفهومه «كمتلازمة» تتكون من عدة أعراض بل إنهم ركزوا على كل عرض على حدة؛ إذ يتم علاج هذا العرض بطقوس معينة شبيهة بطقوس علاج «المبدل» المتعارف عليها. ويلاحظ أن الجماعات الشعبية في هذه المناطق لم تطلق مسمى «المبدل» على العرض التي شخصته، بمعنى هناك اضمحلال لمصطلح المبدل من الذاكرة الشعبية إلا أن الأعراض المرضية والطقوس المصاحبة لعلاجها لم تضمحل من ذاكرتهم لأنها مرتبطة مع بعضها البعض.

هذا الانفصال بين الأعراض والمصطلح في الذاكرة الشعبية يصعب على الباحث في التراث عملية تصنيف هذه الطقوس أو عملية ربطها بمعتقدات معينة وبذلك تصبح هذه الطقوس والأعراض أو الشذوذ متناثرة داخل كتب التراث وغير مصنفة، ويمكن ملاحظة ذلك بصورة واضحة في كتاب علي الفتال «التواصل في تراثنا الشعبي» عن التراث الشعبي في كربلاء في العراق؛ إذ خلا الكتاب تماماً من مصطلح المبدل، إلا أن الكتاب مليء بالعديد من المفاهيم المرتبطة بالمبدل ولكن بصيغ أخرى، فيذكر الكاتب عملية اختطاف الجن للأطفال أو عملية استبدالهم بأطفال آخرين قبيحين إلا أنه لا يضع عنوان «المبدل» لهذا المعتقد بل يعنونه بعنوان «سرقة الأطفال» (الفتال 2005، ص 69)، وأطلق الفتال مصطلح «شذوذ» على العرض غير الطبيعي الذي يطرأ على الطفل أثناء نموه (الفتال 2005، ص 40) وفي الواقع إن ذلك الشذوذ ما هو إلا صفة من صفات المبدل وسنناقشه لاحقاً، كذلك يفرد الفتال جزءاً خاصاً من كتابه يتناول فيه مشكلات الأطفال والتي يغلب على العديد منها أنها مرتبطة بالجن وقريبة من مفهوم المبدل. وكذلك الحال في كتاب «المعتقدات الشعبية في مملكة البحرين» الذي سبق أن أشرنا إليه في الفصول السابقة.

كذلك أدى الانفصال ما بين مصطلح معتقد المبدل وأعراض الطفل المبدل إلى حدوث تعميم لمفهوم المبدل، فلم يعد مصطلح المبدل خاصاً بمعتقد استبدال الطفل بطفل آخر من قبل الجن وإنما هناك حالات فرعية من حالات المبدل تشبه تماماً الحالة التي توصفها العامة باستحواذ الجن على الطفل أي استبدال روح الطفل، وهناك حالات شبيهة بحالات «لضرورة» أو مس الجن، حتى طقوس علاج المبدل نجد أن بعضها يشبه علاج من أصابه ضرر من الجن، فيلاحظ أن بعض طقوس علاج المبدل في مصر شبيهة بطقوس الطفل «المشوهر» أي المصاب بضرر الجن، وتشمل تلك الطقوس طقوس استرضاء الجن (خضر 2008، ص 66 – 68).


طريقة خداع المبدل

الاعتقاد الشائع في أوربا أن الطفل المبدل أي ابن الجان ليس صغيراً في السن بل هو كبير في السن لكنه في هيئة طفل فهو قادر على الكلام وقادر على المشي وحتى المشي فوق الجدار، إلا أن المبدل لا يقوم بهذه التصرفات أمام أعين الناس، وعليه درجت الجماعات الشعبية في أوربا لخداع الطفل التي تشك فيه أنه مبدل ليقوم بهذه التصرفات. وقد قامت Joyce Munro (Munro 1997) بتحليل خمسة وعشرين قصة للمبدل من مختلف دول أوربا، وحددت طرق خداع المبدل، ومن خلال تحليلها يتضح أن هناك طريقتين أساسيتين لخداع المبدل وأكثرها شيوعاً طريقة تكسير البيض، ويتلخص هذا الطقس في أن يتم تكسير عدد معين من البيض والبعض يحدده باثني عشر بيضة، ويتم وضع القشور بالقرب من الطفل ويتم الاختباء ومراقبة الطفل، وعندما يجد الطفل أنه لوحده حينها سيتحدث باستغراب عن عدد البيض الكثير الذي لم يره طيلة حياته معلناً بذلك عن سنه الحقيقي. أما الطريقة الثانية فهي جعل الطفل لوحده ومراقبته خلسه حينها ربما يقوم المبدل بحركة تكشفه من مثل الكلام أو الحركة والمشي أو حتى المشي على الجدار.

الأفكار ذاتها سائدة عند العامة في العالم العربي ولكن بصور مختلفة، فالعامة تعتقد أن المبدل كثير الحركة والمشاغبة وربما أكبر من سنه الحقيقي فله أسنان ويأكل كثيراً. لا حظ أيضاً وجود ارتباط ما بين الجن والبيض وهذا شائع عند العامة في الخليج العربي عموماً

إقرأ أيضا لـ "حسين محمد حسين"

العدد 3393 - الأربعاء 21 ديسمبر 2011م الموافق 26 محرم 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 1:02 ص

      .........

      شكرا لنقل مثل هذه القصص والشعبيات الفلكلورية.

      نتمنى صدور كتاب من قبلكم عن الاعتقادات والخرافة بالبحرين.

      ..........

اقرأ ايضاً