العدد 3514 - الجمعة 20 أبريل 2012م الموافق 28 جمادى الأولى 1433هـ

الثقة بالنفس... قصص الانتقال من الفشل إلى النجاح

منصور القطري comments [at] alwasatnews.com

كاتب سعودي

جاء في السيرة أن وفداً من أهل الحجاز دخل على الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز فاشرأب منهم غلامٌ للكلام، فقال عمر: مهلاً يا غلام، ليتكلم من هو أسن منك. فقال الغلام: مهلاً يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا منح الله العبد لساناً لافظاً، وقلباً حافظاً، فقد أجاد له الاختيار؛ ولو أن الأمور بالسنّ لكان هاهنا مَنْ هو أحق بمجلسك منك. فقال عمر: صدقت. تكلم فهذا السحر الحلال. فقال: يا أمير المؤمنين نحن وفد التهنئة لا وفد المرزأة، قدمنا إليك من بلدنا نحمد الله الذي منّ بك علينا لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة، لأنا قد أمنا في أيامك ما خفنا وأدركنا ما طلبنا. فنظر الخليفة في سن الغلام وأنشأ يقول:

تعلم فليس المرء يولد عالماً

وليس أخو علم كمن هو جاهلُ

وإن كبير القوم لا علم عنده

صغيرٌ إذا التفت عليه المحافل

المشهد التاريخي السابق يقدّم أروع مثال على مسألة الثقة بالنفس، فهي شعور نفسي يعكس قناعة الإنسان بإمكاناته وأهدافه وقراراته. فالثقة بالنفس فضيلة وليست غروراً، أو كما عبر أرسطو عن الفضيلة: «اختيار الإنسان للحالة الوسطية بين رذيلتين» (أي لا إفراط ولا تفريط). فالكرم حالة وسطية بين الإسراف والبخل، والشجاعة حالة وسطية بين التهور والجبن. إذاً نحن بصدد الحديث عن فضيلة مهمة في حياتنا (لا غرور ولا مسكنة).

إنه الشعور الداخلي بالاطمئنان للقدرات التي وهبها الله لنا. هي لا تعطى لأنها موجودة في دواخلنا، لكن ظروفاً معينة منعت تطوّرها، لذا فإن عدم الثقة بالنفس تعرف بأنها شعور الإنسان بالسلبية والتردد وعدم الاطمئنان للإمكانات التي يمتلكها.

ربما تشكل الثقة بالنفس هاجساً للكثير من الناس، كأن يقول الشخص إن ابني يعاني من عدم الثقة بنفسه، أو يقول الإنسان ليس لدي ثقة بقدرتي على التحدث أمام الناس، أو قد ينظر الإنسان للأغنياء بأن لهم مالاً، وأن فلاناً لديه سيارة فارهة ومنزل ضخم، وآخر لديه شهادة عليا وأنا لا أملك شيئاً، لذا فأنا غير موفّق في حياتي.

أحياناً لا تتوفر قناعة لدى الإنسان بما حباه الله من ملكات. ومن امثلة ذلك أن شاباً ذكياً كان يدرس في مدرسة أهلية راقية جداً، حصل على منحة لتفوقه، لكن عندما كان يريد زملاؤه أن يوصلوه إلى منزله كان يقف عند فيلا ليست لعائلته في بداية الحارة، حتى يوهم الزملاء بأنه ليس فقيراً! ونسي هذا الشاب الحكمة القائلة: «من لا يقبلني كما أنا فلا اعتز بصداقته».

إن الثقة بالنفس من السمات المكتسبة من البيئة الاجتماعية، لذا أوصي الوالدين هنا بأن سلوك الثقة بالنفس لا يتم في يومٍ وليلة، بل يحتاج إلى تشجيع الأعمال الصغيرة حتى نصل إلى المشروعات الكبيرة. والثقة بالنفس ركيزة أساسية لتحقيق التوافق النفسي والقدرة على قهر الصعاب وبلوغ النجاح والتميز، لكن ما نلاحظه في المجتمع من اهتمامٍ بالمظاهر الزائفة يعتبر أحد أسباب التعويض عن الثقة بالنفس، كالاهتمام بالجوال الفاخر والحقيبة النسائية الماركة، ورقم لوحة السيارة المميّز... وجميعها لا تدل على النجاح، لأن النجاح يصنع مرتين: مرةً داخل الإنسان ومرةً تراه العين في واقع الحياة.

في الحقيقة أن العوامل المؤثرة على ظاهرة الثقة بالنفس متعدّدةٌ، لكنني أوجز الحديث بالتركيز على عاملين جوهريين، الأول: وضوح الهدف، والثاني: المثابرة في أوقات الفشل. فعلى مستوى وضوح الأهداف هناك تجربة جديرة بالتأمل وقعت في جامعة هارفارد العام 1979، حيث توجهت الدراسة بسؤال لطلبة الدراسات العليا في ماجستير إدارة الأعمال عمّا إذا كانت لديهم أهداف واضحة ومكتوبة لمستقبلهم وخطة وطريقة لتحقيق تلك الأهداف. وقد أظهرت الدراسة أن 3 في المئة فقط من الخريجين لديهم أهداف وخطط مكتوبة، و13 في المئة فقط لديهم ما يشبه الأهداف لكنها غير مكتوبة، و84 في المئة ليست لديهم أية أهداف واضحة على الإطلاق.

بعد عشر سنوات، أي العام 1989، تم جمع مجموعة الطلاب نفسها حيث اكتشف الباحثون أن نسبة الثلاثة في المئة الذين كانت لديهم أهداف واضحة ومكتوبة يزيد دخلهم المالي بنحو (10) عشر مرات عن بقية الخريجين الذين تبلغ نسبتهم 97 في المئة الذين ليست لديهم أهداف واضحة ومكتوبة!

أما العامل الثاني الذي يتعلق بالمثابرة – ستكون لنا محطة فكرية مع تجربة نبي الله يوسف (ع) - فيمكننا تتبعه عبر سيرة كل الناجحين، حيث نلاحظ أنهم فشلوا بطريقةٍ أو بأخرى، ولكن إصرارهم وثقتهم بأنفسهم قاداهم للتميز في الحياة. فقد فشل ابراهام لينكولن في المجال السياسي ثماني مرات، لكنه ظل مثابراً حتى أصبح رئيس الولايات المتحدة الأميركية! وفشل اينشتاين في الاختبار الذي يتأهل بموجبه للحصول على مجرد شهادة دبلوما، ثم تألق ليكون أشهر علماء العالم. وكذلك الحال لتوماس أديسون الذي تعثّر مئات المرات، لكنه سطر لنا حكمة جميلة تقول: «الفاشلون هم أناسٌ لم يعرفوا كم كانوا قريبين من النجاح حين توقفوا». أما ونستون تشرشل فقد فشل في اختبار القبول في الجيش أكثر من مرة، ثم أصبح رئيساً لوزراء بريطانيا! لذا لم يكن مستغربا أن يصرح قائلاً: «النجاح هو القدرة على الانتقال من فشل إلى فشل دون أن تفقد حماسك».

إقرأ أيضا لـ "منصور القطري"

العدد 3514 - الجمعة 20 أبريل 2012م الموافق 28 جمادى الأولى 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 6:33 ص

      والثقه بالله نجاح ايضاً

    • زائر 3 | 4:46 ص

      بهلاء

      بارك الله فيك والله انا استفدت كثير جعله الله في ميزان حسناتك

    • زائر 2 | 6:24 ص

      الثقة بالنفس تنجيك

      احسنت على هذه الالتفاتة

    • زائر 1 | 2:19 ص

      طرح يفتح ابواب الامل

      شكرا على هذا الطرح الجميل الذي يفتح باب الامل امام الشباب.

اقرأ ايضاً