العدد 3598 - الجمعة 13 يوليو 2012م الموافق 23 شعبان 1433هـ

الديمقراطية تبدأ من البيوت

منصور القطري comments [at] alwasatnews.com

كاتب سعودي

قال لزوجته اسكتي. وقال لابنه: انكتم. صوتكما يجعلني مشوش التفكير. لا تنبسا بكلمة. أريد أن أكتب عن حرية التعبير. (أحمد مطر).

لكي تترسخ الديمقراطية ومفاهيم الحوار على مستوى الأوطان، وحتى تنتشر قيم احترام الآخر وقبول الاختلاف والتنوع في المجتمع فإنه لابد من غرس هذه القيم في الأبناء منذ الصغر. إن أردنا ذلك فعلينا أن نتخلص من فكرة «أنا على حق وغيري على خطأ». يقول الإمام الشافعي في دعوة صريحة إلى ترسيخ خط الاعتدال: «قولي صوابٌ يحتمل الخطأ وقول غيري خطأ يحتمل الصواب».

الأسرة هي البنية الأولى لأي مجتمع، والتنشئة السليمة داخل الأسرة حين تقوم على مبدأ المشاركة في اتخاذ القرار؛ فلا شك أنها تؤسس لوطنٍ يعتمد على فكرة الشورى والديمقراطية باعتبار الأسرة مؤسسةً مهمةً من مؤسسات الدولة والمجتمع.

نحن في وطننا العربي، معنيون بتحقيق تراكم كمي يفضي إلى تحول نوعي مبني على الديمقراطية. تقول غادة السمان «لم يترك البعض لنا في الوطن إلا حرية الانتحار أو الرحيل، فتعلمنا التنفس تحت الماء كالأسماك وأتقنا الطيران في الفضاء كالعصافير. عبثاً يفرغون هواء الروح من الأوكسجين ويقصون أشجار الغابات. سنظل نحلق ونبني أعشاش الكلمة الحرة داخل الغيوم».

بهذا الإصرار على غرس كل جميل، والتبشير بحفظ كرامة الإنسان بدءاً من البيوت وانتهاء بأكبر مؤسسات الدولة، نقول: يمكننا هنا أن نرسم صورة مجازية لأوجه التشابه بين شكل الدولة والأسرة في فكرة التدريب على ممارسة الديمقراطية؛ ورغم التعقيد والتداخل الموجود، إلا أن الأسرة تضم مجموعةً من الأفراد يعيشون في منزل واحد يدار من قبل الأب والأم، باعتبارهما يمثلان السلطة ولهما مرجعية قانونية ودستورية، لاعتبار الأسرة كياناً مصغراً جداً للدولة، غير انه يُدار بواسطة مجموعة من القيم (management by values)، ومن بين هذه القيم قيمة التشاور والمشاركة في صنع القرار.

جاء في الحديث الشريف انه جيء للنبي (ص) بقدح فشرب منه وعن يمينه غلام هو أصغر القوم والأشياخ عن يساره، فقال: يا غلام أتأذن لي أن أعطيه الأشياخ؟ قال: ما كنت لأوثر بفضلي منك أحداً يا رسول الله فأعطاه إياه. مشهد رائع؛ فالأمر لا يتعلق فقط بأحقية من في الجهة اليمنى، بل يتعلق أيضاً باحترام رأي الغلام وحقه في المساواة والعدالة وبالجدية المتناهية في التربية داخل البيوت. كان بإمكان ذلك الغلام أن يتنازل للأشياخ؛ لكنه متمسك بحقه، وتنشئة الطفل على المشاركة في اتخاذ القرار الذي يمسه هو السبيل الأمثل لتحقيق فكرة الشورى والديمقراطية.

وهناك قيمة أخرى لا تقل أهمية عن سابقتها، وهي قيمة تكامل الأدوار بديلاً عن الصراع والمنافسة. بمعنى أن لكل فرد اختصاصاً محدداً، وكأن هذا النشاط الأسري يشبه قطاع الخدمات في الدولة؛ فالمرأة في مجال المنزل هي الأجدر، ولا مانع من مساعدة شقيقها الرجل لها. وكذلك الحال بالنسبة لقطاع التربية والتعليم الذي يسير فيه الرجل والمرأة بالتعاون والشراكة على أن يتم بدون تمييز أو تحيز، لكي تتحقق قيمة المساواة والعدل بين الأبناء والبنات، يقول نائب الرئيس الأميركي السابق آل جور: «الحكومة تفشل عندما تفشل مدارسنا»، وأضيف: إذا دخلت العنصرية والتحيز إلى المدارس فإنها تدمر العملية التربوية.

شأن قطاع التربية والتعليم في موضوع المساواة يشبه تعامل الدولة مع المواطنين بدون تحيز إقليمي أو طائفي أو عرقي، ما يضمن ولاءهم وانتماءهم، فإذا لم يجد الابن في الأسرة الحنان والمساواة مع بقية الإخوة فسيتحول إلى ولدٍ عاقٍ سيء الخلق.

وإذا كانت الدولة تحرص على تنظيم علاقاتها الخارجية مع بقية دول الجوار؛ فإن التربية الأسرية تغرس في الأبناء مراعاة حقوق الجيران والأصدقاء وزملاء المدرسة والأقارب على أساس الحقوق والواجبات؛ ذلك لأن الديمقراطية ثقافة تنطلق من البيوت أولاً، وهي تبدأ من تجنب الزوج فرض الأوامر على الزوجة والأبناء، وأن يمارس معهم بدلاً من ذلك الحوار دون وعيد أو تهديد. وهذه المعاملة ستنتقل بشكل طبيعي إلى المدرسة، فلا يفرض المدرس آراءه على التلاميذ ويسمح لهم بإبداء وجهات نظرهم وقناعاتهم؛ لأننا نعيش في إطار فكر عالمي يفرض علينا أن نواكبه، وهو مدعاة إلى الاستقرار والسلم الاجتماعي، وهذا ما أكد عليه الرئيس البوسني الأسبق علي عزت بيجوفيتش في كتابه «هروبي إلى الحرية»، حين قال: «الديمقراطية والاستقرار يشترطان بعضهما تبادلياً. الديمقراطية ضرورية لنا من أجل الاستقرار والاستقرار ضروري من أجل الديمقراطية».

وتؤكد جميع التجارب العالمية أن الدول التي تعيش الدكتاتورية تأخرت وتعطلت مشاريعها التنموية؛ بينما استطاعت الدول التي اعتمدت الديمقراطية منهجاً لها أن تتقدم وتتطور؛ فالهند على سبيل المثال، يوجد فيها أكبر تعدد طائفي وعرقي في العالم، لكنها مع ذلك حافظت على وحدة هذا التنوع والتعدد، ويعيش بها مليار نسمة في تآلف وأمان. وماليزيا نموذجٌ آخر للتعدد والتنوع العرقي والديني؛ فقد حافظت الديمقراطية فيها على وحدة البلاد، بل وأسهمت في تقدمها وازدهارها.

أختم بلفتة تربوية رائعة ذكرها ذات مرة عباس محمود العقاد: «يقول لك المرشدون: اقرأ ما ينفعك. ولكنني أقول: بل انتفع بما تقرأ».

إقرأ أيضا لـ "منصور القطري"

العدد 3598 - الجمعة 13 يوليو 2012م الموافق 23 شعبان 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً