العدد 3720 - الإثنين 12 نوفمبر 2012م الموافق 27 ذي الحجة 1433هـ

العجز والقدرة

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

أن يتجلّى العجز في صورة القادر، فذلك أمر مقدور عليه، لأنه في الأصل يملك القدرة ولكنّه لأسباب ما اتصف بالعجز في مناسبات ومواقف تضعف فيها ذاته المعنوية فيستسلم لليأس ويعجز عن القيام بما عليه.

وتجد مصداق هذه الحالة في واقعنا ما لا حصر له من المتواكلين سواء في القطاع التلمذي أو الوظيفي أو حتى في المجال الأسري إلخ. وعلاجه ممكن بالتعليم ورفع الروح المعنوية والحوافز وما لفّ لفه من وسائل الترغيب والترهيب.

أما أن ترى القدرة في صورة العاجز فذلك أمر قد يجعل المتسرع يقر بفشل المحاولة؛ محاولة القدرة على الفعل عند العاجز بالكلية.

لكن المتأمل في خلق الله وبعض التجارب الإنسانية يقف على غير ذلك ولا ينقاد إلى موقف المتسرع وإنما ينفذ ببصيرته إلى حكمة ما.

نعم رأيت القدرة تدفعها الإرادة يشحنها الإيمان بالذات تشع كلها من إيمان بالله؛ رأيته كتلة عاجزة لا تملك من جوارحها غير الصوت والذكريات، ذات يلفها العجز من كل جانب. في اللقاء الأول اكتفى بالدعاء والبكاء. وبعد ذلك صار يلهج بذكريات حركته الجسدية وأعماله وخروجه ودخوله وصولاته وجولاته يستحضرها من رفوف الماضي فيسعد حيناً بالضحك ويتبعها حيناً آخر بدموع متحسراً على ذهاب القدرة، ولكنه على رغم كونه ناصف العقد العاشر من عمره فإنه أصرّ على الحركة فوق فراش المرض وكل مؤشرات الأطباء والاستشاريين تنفي قدرته على ذلك، لكن إرادته تقاوم حالة عجزه البدني وصار يرغب في تحريك أطرافه وطلب ممن حوله رياضة يديه ورجليه ثم رياضة أكتافه وتحرك نصفه الأعلى يمنة ويسرة حتى حان الوقت ليطلب مساعدة للنزول من الفراش فاستند إلى ابنيه حتى وضع قدميه على الأرض، وبدأ يتحسس البلاط بعد شهور من الحرمان. وكان كل يوم يعيد التمرين نفسه ويتحدى العجز فيه حتى استقر واقفاً بعد أيام من المحاولة، وبدأ يستعيد خطوه على رغم ثقل السنين والجسد والأمراض.

لكن الإرادة والعزيمة الفولاذية تحدت العجز وأثبتت لمن حوله من القادرين بالقوة العاجزين بالفعل أنهم أضغاث بشر لا يملكون من القوة إلا كما تملك النملة الواحدة، لكنهم لا يملكون من صبرها شيئاً.

إن العجز فكرة تسلب الإنسان أعزّ ما فيه وهو إنسانيته، لكن الإرادة والإيمان يحوّلان العجز قدرةً واستطاعةً تمنح الإنسان استدامة إنسانيته واستحقاقه العقل.

فهل يعتبر المتسرعون ورماة المناديل على أبواب أول امتحاني الحياة من قصة هذا العجوز القادر؟

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 3720 - الإثنين 12 نوفمبر 2012م الموافق 27 ذي الحجة 1433هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 1:40 م

      يا الله

      موضوع جميل جدا

    • زائر 3 | 2:03 م

      العجز عجز الفكر لا البدن

      حقا إن العجز في الفكر لا في البدن لأن الفكر هو من يحرك البدن

    • زائر 2 | 7:02 ص

      أشك في علاجهم

      تجد مصداق هذه الحالة في واقعنا ما لا حصر له من المتواكلين سواء في القطاع التلمذي أو الوظيفي أو حتى في المجال الأسري إلخ. وعلاجه ممكن بالتعليم ورفع الروح المعنوية والحوافز وما لفّ لفه من وسائل الترغيب والترهيب.

    • زائر 1 | 6:50 ص

      ولله في خلقه شئون

      اللهم اعطه القوة وخفف عنه

اقرأ ايضاً