العدد 46 - الإثنين 21 أكتوبر 2002م الموافق 14 شعبان 1423هـ

هذه الأعمال ضد رغبة الغالبية في الكويت

بعد حادث فيلكا ومجزرة بالي

محمد غانم الرميحي comments [at] alwasatnews.com

اعتداء بالسلاح على جنود أميركان في فيلكا أثناء قيامهم بواجباتهم التدريبية وقتل أحدهم، ثم احتجاز مجموعة مشكوك في انتمائها للفاعلين قيد التحقيق، وبعد ذلك احتجاز شاب متوجه لتفجير مبنى سكني كبير يقطن فيه أجانب من بينهم عسكريون اميركان، وتنقل الأنباء أن وراء اعتداء جزيرة بالي المروع في اندونيسيا الذي راح ضحيته المئات من الأبرياء وراءه كويتي أيضا، وقبل ذلك كان الناطق الرسمي لـ «القاعدة» التي روعت العالم حتى الآن هو كويتي، ثم يظهر التحريض على موقع رسمي للانترنت؟ هل كل هذا جزر معزولة بعيدة عن الترابط من الحوادث التي ليست لها علاقة ببعضها بعضا، أم أنها تشكل ظاهرة سياسية، علينا أن نسبر غورها ونعرف أسبابها؟ وهي في يقيني لها علاقة بتثقيف طويل المدى أخذ من الوقت حقه ومن الموارد ما يحتاج إليه، وهو بالتالي يجب أن يواجهه تثقيف مخالف، قبل أن يحتاج إلى لجان تحقيق أو سجون أو معتقلات.

من الثابت أن هذه الاعمال الارهابية هي أولا ضد رغبة الغالبية في الكويت، فان كان الموضوع موضوع ديمقراطية فان الغالبية في المجتمع الديمقراطي هي التي تقرر ما يصلح أو ما يرغب فيه المجتمع، وقد قررت من خلال مؤسساتها أن الجنود الأميركان موجودون برغبة منها وموافقة أيضا ولتحقيق مصلحة عامة، وان كانت المصالح العليا هي المرجعية فان المصالح العليا للكويت التي خرجت من براثن غزو كامل وكاسح للمرة الأولى في تاريخها، كان لو استمر لأصبح الجميع بلا وطن، وكان السبب في التحرير والوسيلة إليه هي القدرة العالمية ممثلة في الولايات المتحدة، مع أصدقاء عرب انتبهوا في الوقت المناسب إلى أن الطوفان يمكن أن يصيبهم.

فأي المرجعيات يريد لنا هؤلاء أن نتبنى، أستطيع أن أفهم أن يكون للبعض اعتراضات سياسية، وان يكون لديهم منغصات إدارية ومعيشية أو أن يكون لديهم اعتراضات ثقافية، ولكن الشرط المسبق لطرحها للنقاش أن يتحدثوا عنها من خلال أجندة سياسية، واضحة ومفهومة، أما هذه الأجندة التي يعملون من خلالها فأقل ما يقال فيها أنها أجندة مرتبطة بحبل سري مع القرون الوسطى، ضبابية في طرحها وعمومية في تناولها لمصالح الناس.

ان كان الأمر هو اعتراض سياسي فعلى الاطراف ان تقدم برنامجها السياسي وأن تحتكم للجمهور العام، أما ما أعترض عليه بشدة فهو أن تختطف العقيدة الإسلامية وتحتكر لتنصب هذه الفئة القليلة من الناس نفسها مفسرة وحيدة لهذه العقيدة، وهو ما يعترض عليه كل عاقل، فالإسلام ليس لفئة مسلمة من دون أخرى، كما أنه لا يدعو إلى الترويع والقتل العشوائي، كما لا يدعو إلى تعريض الأوطان بمجمل قاطنيها للتهلكة.

المسكوت عنه هو عدم التصدي لمثل هذه الأعمال بقطع صلاتها نهائيا بالعقيدة السمحة، وبرفض مطلق أن يحتكر البعض تمثيل الإسلام، ومع الأسف، ونتيجة لتثقيف سلبي مضطرب بدأت بعض الأصوات في الصحافة وفي البث التلفزيوني على امتداد الساحة العربية تنتقي بعض التصريحات الصادرة عن موتورين أو عن جماعات مقاطعة للعلم الحديث في تطور المجتمعات، والسياق العالمي في التطوير العلمي والتقني، لتقول للعامة ان هناك (حربا ضد الإسلام) وهذا قول يريد به هؤلاء حشد العامة خلف اطروحات المتطرفين، فما نشاهده هو في حقيقته حرب مصالح، لا حرب أديان، فمن مصلحة الشعب العراقي مثلا ان يتحرر من جلاديه، ويشارك في هذه الرغبة مسلمون عراقيون من كل الطوائف، فالحرب على العراق مثلا هي ليست حربا ضد (المسلمين) ولا (الإسلام) بقدر ما هي حرب ضد التسلطية والاحتكار السياسي الظلامي، يباركها كل ذي بصيرة من اجل الانعتاق من الظلامية، وسيطرة فئة صغيرة على السلطة والثروة ومصير الشعوب في زمن يلفظ هذا النوع من الاحتكار الذي تتحكم فيه فئة تفتقد الرؤية والحكمة.

لقد ترك حيز ضيق للمهمات الثقافية التي يجب أن تتصدى لهذا الفكر الذي يضيق على الناس، وسقط من الحساب أن تعديل التوازن بين الفكر الشمولي وبين الانفتاح والتسامح وفهم الآخر، هو مدخل ثقافي، وافتقد في الساحة من يدعو إلى استنباط أشكال جديدة من النضال السياسي للخروج من المأزق الذي نواجهه في الكويت، كما تواجهه مجتمعات عربية كثيرة، فلجوء البعض إلى العنف العشوائي، هو ظاهرة يجب أن تدرس من مدخلها الثقافي أولا، ثم السياسي، وآخر مداخلها هو الأمني.

أحد أسباب هذه الحيرة تجاه العنف المنظم هو أن القادة السياسيين تحدثوا بلغتين وبخطابين مناقضين فحولوا الحيرة إلى ارتباك، وامتنعت مؤسسات التعليم لدينا عن القيام بمهماتها، فقد فرغ التعليم من محتواه تفريغا كاملا، وأصبح الايمان بالخرافة وإعادة إنتاج العلاقات الاجتماعية المتخلفة هما الأساس في التعليم، وسكت عن تنمية التفكير العقلاني، وساهم الاعلام ووسائله المختلفة في إطعام العامة الكثير من الآمال، ممزوجة بالكثير من المسلمات حتى أصبح أبناؤنا ضحية لمن يخطف عقولهم أولا.

فما نحن بصدده هو ظاهرة، وليس افعالا معزولة، وهي ظاهرة يحتاج التصدي لها إلى مجهود ثقافي في الدرجة الأولى، تحرير الشرائح الاجتماعية الكبيرة من قيم العصر الوسيط التي مازال بعضنا يجترها في عالم يتغير بسرعة، ومجتمعات تضربها رياح التغيير بقسوة.

ان إغفال الجدلية بين الديمقراطية المبتغاة في مجتمعاتنا والثقافية يعوق من إقامة التوازن المنشود بين القوى المختلفة داخل المجتمع، ويتيح لسيطرة فكر قرن أوسطي ضبابي الرؤية ليست له علاقة بما يدور في العالم، ويوسع هذا الفكر الذي ينصب علينا من كل جانب، شقة الخلاف والاختلاف في المجتمع، ويحقق بيئة صالحة تنمو فيها الأفكار المتطرفة، التي تقود بالضرورة إلى العنف.

استنهاض الهمم للتحرك السياسي هو المهمة الأولى للتجمعات السياسية العصرية في الكويت، والقوى الديمقراطية مدعوة للتوجه إلى الجمهور ومخاطبته بوضوح لا يحتمل التزلف والمحاباة، مفاده أن التخلص من القهر والاستلاب لا يعني الوقوع في الخرافة والتجهيل. ان الاحتضان الذي يظهره الجمهور العربي العام للتطرف هو احتضان للتنفيس عن القهر والاستلاب والمصادرة التي يواجهها، وهو في صلبه سياسي واقتصادي وتنظيمي، يستغله الآخرون أبشع استغلال، فيضفون عليه، نتيجة التجهيل، صبغة عقيدية ويطلقون خلاياه للعبث بأمن المجتمعات من أجل تهميش المطالب الديمقراطية التي تنادي بها قطاعات واسعة من العرب والحاثة على الشفافية والمساواة، أو في حال الكويت، الإخلال بالمسلمات الدستورية وهو أمر ان استمر من دون أن تطلق أجراس الإنذار سيعود بالفوضى والخراب

إقرأ أيضا لـ "محمد غانم الرميحي"

العدد 46 - الإثنين 21 أكتوبر 2002م الموافق 14 شعبان 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً