العدد 4644 - الإثنين 25 مايو 2015م الموافق 07 شعبان 1436هـ

أعلام في التسامح والسلام... مهرجان فاس للثقافة الصوفيّة

سليم مصطفى بودبوس slim.boudabous [at] alwasatnews.com

-

أخذتني رحلة البحث عن أعلامٍ من هذا الزمان في التسامح والسلام إلى المغرب الأقصى، وتحديداً إلى إحدى قلاع الثقافة العربية الإسلامية، إلى ربوع مدينة فاس؛ حيث أصداء مهرجان فاس للثقافة الصوفيّة تتناقلها الصحافة بمختلف أنواعها.

مهرجان فاس للثقافة الصوفية يُعَدُّ علَماً بارزاً ينشد، منذ دورته الأولى سنة 2007، التعريف على المستوى العالمي، بالصورة الإيجابية للإسلام، من خلال إبراز عمق ومقاصد ثقافة الانفتاح والتسامح التي اعتمدها المتصوفة في تجاربهم، إضافةً إلى تكريس ثقافة مشتركة ترتكز على قيم التعايش والإخاء والتسامح.

ولا يخفى على أحد الاختلاف في الرأي بشأن تيار المتصوفة قديماً وحديثاً، لكن هذا الاختلاف، وبعض المواقف المتشددة ضدّها، وبعض الأدوار التاريخية المشبوهة التي لعبتها بعض حركات التصوف، كل ذلك لم يمنع من استمرارها وتأثيرها في قلوب مُريديها إلى اليوم وفي شتى أصقاع العالم. وقد سعى مهرجان فاس للثقافة الصوفية إلى نشر صورة إيجابية عن التصوف وخصوصاً في نسخته المعاصرة. فهو ليس طقوساً يأتيها بعض الدراويش أو ضحكاً على ضعاف العقول، وإنّما هو رؤية عميقة للوجود ومشاركة حقيقيّة من أجل نشر قيم المحبّة والتسامح والسلام.

وتحقيقاً لذلك، رفع المهرجان هذا العام شعار المحبّة منذ رابعة العدوية مروراً بجلال الدين الرومي، وصولاً إلى ابن عربي الذي أعلن بوضوح:

أدين بدينِ الحبِ أنَّى توجّهتْ

ركائبُه، الحبُّ ديني وإيماني

وقد سعى المهرجان إلى التأكيد على أنّ تيّار المتصوفة لا يزال يستمدّ هذه القوة وذاك التأثير، لكونه يعتبر المحبة من أسمى غايات التصوف، وأنّ هذا التيّار بهذه الطاقة من المحبة المتجددة يمكن أن تسهم في بناء مستقبل مشترك ومجتمع مفعم بالأخلاق؛ حيث يعيش المتصوّف تجربةً شعوريةً غامرةً مفضيةً لمحبة الله ومخلوقاته. وينخرط تبعاً لذلك في بناء مجتمعه ومستقبل الإنسانية المشترك، إذْ أنّ شعور المتصوف بوجوب انخراطه الفعلي في بناء هذا المستقبل ما هو إلا نتيجة مباشرة لاختباره لتجربة محبّة الغير التي تجعل لحياته معنى ونكهة وامتداداً.

ومن جهة أخرى، يعتبر بعض المفكرين أن الإسلام الصوفيّ، بخصاله المفعمة بالسلام، يمثل الأداة المثلى لمحاربة ترسبات الإسلام السياسي العُنفية في العقل العربي، والمتجلية في وقتنا الحاضر في تيار الدواعش. وقد سعت الندوات الفكرية التي تنظم على هامش هذا المهرجان سواء في دورته الأخيرة أو حتى في دوراته السابقة، إلى مقاومة المدّ التكفيري، المستشري هذه الأيام، بعقلية السلام والحب والتسامح التي تتبناها الأفكار والطرق الصوفية؛ حيث استعاضت بالموسيقى والروحانيات لتعبّر عن نفسها وليس بسلاح الذبح والاضطهاد الذي يقتل به المسلمون المسلمين بكل شراسةٍ ظنّاً من بعضهم (القاتلين) أنهم يملكون الحقيقة الدينية المطلقة وكأنهم لم تمرّ عليهم مواقف كبار الفقهاء كالإمام مالك وغيره.

لذا يأتي هذا المهرجان في سياق التعريف، على المستوى العالميّ، بالوجه المشرق للإسلام من خلال إبراز عمق ومقاصد ثقافة الانفتاح والتسامح التي اعتمدها المتصوفة في تجاربهم، كما يسعى إلى تمكين المتابع للمهرجان من الولوج إلى هذا التنوع الفني والفكري والروحي، ويساهم في إعطاء صبغة دولية للصورة الإيجابية للإسلام من خلال لغة عالمية منفتحة، ومن خلال السلم الذي يحمله الطريق الروحي.

إنّ بحثي المحموم عن سيرٍ خالدةٍ لأعلامٍ تساهم، بفكرها وأعمالها في نشر ثقافة التسامح والسلام في هذا الزمان، جعلني لا أمرّ مرور الكرام على هذا المهرجان، لأنّ غاياته النبيلة تسمو فوق الفكر المنغلق على مذهب أو طائفة أو طريقة واحدة. كما أجد الفرصة مناسبةً لرفع الغشاوة عن المفهوم السلبيّ السائد للتصوّف الذي يغلب عليه الجانب الطقوسيّ الحرفيّ الجافّ، والذي يجعل من الطرق الصوفية المختلفة أعداء متناحرين، كما هي أيضاً فرصةٌ مواتيةٌ للتأكيد على أنّ «أعلام الصوفيّة يرون التسامح قيمة من أعلى القيم الإنسانيّة والدينيّة. وهم ينطلقون في ذلك من قناعات عقديّة روحية ترفع قيمة التسامح عندهم من كونه مجرد خُلُق إلى كونه عقيدة وإيماناً ومعرفة»، كما بيّن ذلك الدكتور نور الدين أبو لحية في دراسةٍ له عن التصوف بالجزائر، وأضاف في المصدر ذاته: «ونرى أن هذه القيمة التي يكتسيها التسامح عندهم هي التي سمحت لهم باختراق الآخر، وتبليغ رسالة الإسلام إليه في أكثر البقاع التي لم يدخلها المسلمون بسيوفهم، ولكن الصوفية دخلوها بتسامحهم، واستطاعوا أن يؤثروا فيها تأثيراً كبيراً».

إقرأ أيضا لـ "سليم مصطفى بودبوس"

العدد 4644 - الإثنين 25 مايو 2015م الموافق 07 شعبان 1436هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 1:06 ص

      الحب دين يجمع الجميع

      ابن عربي
      أدين بدينِ الحبِ أنَّى توجّهتْ
      ركائبُه، الحبُّ ديني وإيماني

    • زائر 2 | 4:07 م

      أعلام في التسامح والسلام

      فكرة موضوع موحد للمقال طريفة لكن عليك أن تبحث عن اسماء بارزة في المجال

    • زائر 1 | 12:12 ص

      شكرا على الموضوع

      أن هذه القيمة التي يكتسيها التسامح عندهم هي التي سمحت لهم باختراق الآخر، وتبليغ رسالة الإسلام إليه في أكثر البقاع التي لم يدخلها المسلمون بسيوفهم، ولكن الصوفية دخلوها بتسامحهم، واستطاعوا أن يؤثروا فيها تأثيراً كبيراً

اقرأ ايضاً