العدد 4912 - الأربعاء 17 فبراير 2016م الموافق 09 جمادى الأولى 1437هـ

ماذا قالت بريانكا تشوبرا؟

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

في عالم السينما والنجوم هناك هوليود وبوليود. الأولى هي بالأساس منطقة تقع في لوس أنجليس بالولايات المتحدة الأميركية لكن شهرتها ارتبطت بوجود استوديوهات للسينما العالمية وتواجد الفنانين النجوميين فيها، الأمر الذي جعلها مكاناً أهم من المنطقة ذاتها.

أما بوليود فهي النسخة الهندية من هوليود، حيث أصبحت مومبي إحدى أهم مناطق إنتاج الأفلام الهندية، بل وفي العالم كذلك. ومنذ أن احتلت بوليود هذه المكانة الرفيعة أصبح هناك تعاون بين الهوليوديين والبوليوديين، إذْ بات الفنانون الهنود يحظون بمكانة رفيعة في أميركا.

من بين النجوم الذين باتوا بارزين في المكانين (هوليود وبوليود) الفنانة الهندية الشابة بريانكا تشوبرا. بريانكا البالغة من العمر (33 عاماً) تمتعت بِمَلَكَات كثيرة جعلتها تفوز بأكبر الجوائز العالمية. ففي نهاية (يناير/ كانون الثاني الماضي) نالت جائزة بادما شري التي تعتبر رابع أكبر جائزة هندية.

وكانت قبل ذلك قد حصلت على جائزة بيبولز تشويس لأفضل ممثلة عن دورها في مسلسل كوانتيكو الأميركي، إذ اعتُبِرَت أول ممثلة من قارة آسيا تحصل على هذا النوع من الجوائز.

في كل الأحوال فإن ما لفتني في حديث بريانكا، تعليقاً على نيلها جائزة بادما شري، هو حين قالت للصحافيين: «أعتقد أن عملي الجاد هو سبب نجاحاتي». وهذا التصريح له قصة هي جوهر مقالي.

وُلِدَت بريانكا تشوبرا في منطقة جمشيد بور الواقعة في جهارخاند، إحدى أهم المراكز الصناعية في الهند. عائلتها كانت من الطبقة الوسطى، إذ كان والداها يعملان في الجيش الهندي كطبيبين، لكن هذه العائلة (في صورتها المُركّبة) كانت لها ميول فني، فجزء من أقاربها هَوَى الفن وتشبّع منه كـ ميرا تشوبرا ومانارا فهن وبارنيتي تشوبرا وهو ما انعكس عليها لاحقاً.

وبسبب بنجابيّة والدها وجهارخاندية والدتها ثم طبيعة عملهما الطبي في الجيش، والذي يستدعي تنقلهما الدائم باتجاه المعسكرات وغيرها، فقد تنقّلت الابنة بريانكا مع والديها أينما ذهبا. لكن الانتقال الأهم في حياتها حصل عندما بلغت الثالثة عشرة من العمر، إذ انتقلت إلى الولايات المتحدة الأميركية في العام 1995م لتلتحق بالدراسة في نيوتن بمقاطعة ماساتشوستس.

هناك بدأت عمليات الانتقال المكانية والفكرية لهذه الفتاة. فذهبت إلى سيدار رابيدز في ولاية أيوا ثم إلى كوينز، أحد أهم الأحياء الخمسة في نيويورك، والتي يعتبر نصف سكانها من الأجانب. في هذه الفترة من حياتها، دخلت بريانكا كمنتمية للعِرق الهندي عالَم الموسيقى والغناء والرقص والمسرح على رغم أن رغبتها كانت باتجاه الهندسة والبرمجيات أو طبيبة نفسية كخيار ثانٍ.

في ذلك المشوار واجهت هذه الفتاة «الهندية» تحدياً من نوع آخر لم تألفه من قبل، ألا وهو السُخرية العرقية؛ كونها «هندية الأصل» ولها سمات وطبائع وشمائل مختلفة عن الأنغلوساكسونيين. وكان ذلك الأمر يُعزِّز لديها شيئاً سلبيّاً في نفسها وهو احتقار ذاتها! كانت ترى نفسها أقل من الموجودين في محيطها من البِيْض واللاتينيين أو أؤلئك الذين هم من أصول إيرلندية وغيرهم.

لكن، وفي لحظة مّا، اكشتفت أنها فتاة أخرى أفضل من غيرها من الذين كانوا (يُعيِّرونها)، حين اختيرَت من بين كل أقرانها في الفصل الدراسي كواحدة متميّزة في الموسيقى والدخول في مسابقة عالمية. تتذكر ذلك وتقول: «كان الجميع قبل ذلك يسخر من ساقي؛ لأنها تحتوي على بقع بيضاء» وكان ذلك يُشعِرني بأنني أدنى من الآخرين. «كنتُ طفلة خرقاء، لديها تدني احترام الذات».

اليوم تقول: «ساقي تنافس نحو 12 علامة تجارية». وهي تتذكر أنها وفي تلك الفترة فازت بالجائزة المحلية لملكة الجمال. وبدفع من والدتها (التي استقالت من مهنة الطب للوقوف إلى جانب ابنتها) سُجِّلت بريانكا العام 2000م للدخول في مسابقة ملكة جمال الهند فحازت المركز الثاني، ثم ملكة جمال العالم. هذا الفوز سلّط عليها الأضواء من كل مكان كي تدخل عالم السينما.

الحقيقة أن الشعور بـ «تدني احترام الذات» أمر في غاية الخطورة. وهذا الأمر يجعلنا نتأمل في الكثير من السلوكيات الاجتماعية لدينا والتي تدخل في هذا الجانب. فكل مَنْ كان له انتماء ديني أو عرقي أو كانت له هيئة جسمية معينة أصِيْب بذلك الشعور، يُعزّزه بعض الناس في مجتمعه من الساقطين والمُحبّطين، الذين وبلا أدنى ذوق ولا أخلاق يبدأون في تحقيره أمام نفسه وإفهامه أنه أدنى من الآخرين.

هذا سلوك سيئ من الآخرين، لكنه سلبي من الشخص ذاته حيال نفسه حين يُسلّم به. إذْ لا يوجد أحد في هذه الدنيا لا يملك شيئاً يتميّز به. وإن أحد وُجِدَ فذلك يعني أنه لم ينتبه لما لديه من كوامن وقدرات. نحن لا نُشجّع على تضخيم ذوات أطفالنا وشبابنا ولا إشعارهم بالكِبْر ولكن أن نعطيهم حقهم، وأن نكتشف فيهم ما لا يظهر، أو الذين هم ساهموا في سَتْره وإخفائه بسبب التثبيط وإذلال النفس.

هذا أمر يجب أن نلتفت إليه في تربيتنا للنشء. فلا يجب أن نخضع لموجة «مكافحة التحضر» المتخلفة التي يريد البعض بجهل قاتل تعزيزها في مجتمعاتنا، وبالتالي تدمير ما يملكه الجيل من مواهب وقدرات.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 4912 - الأربعاء 17 فبراير 2016م الموافق 09 جمادى الأولى 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 4 | 3:15 م

      جميل جدا هذا المقال، وأكثر من عميق

    • زائر 2 | 7:39 ص

      مقال رائع جداً

      من أكثر ما يحز نفسي هو وجود هذه الآفات في مجتمعنا حقيقة أنها بأشكال وانواع لم يتم تفصيلها لكنها فعلاً موجودة

    • زائر 1 | 5:25 ص

      احترام الذات:
      من اهم الأدوات التي يستخدمها المطتهد هو احتقار الآخرين ليجعلهم يحتقرون أنفسهم ومن ثم تسهيل السيطره عليهم. علينا تربيت أنفسنا و اولادنا على احترام الذات لكي لا نصغر امام الآخرين.

اقرأ ايضاً