العدد 834 - الجمعة 17 ديسمبر 2004م الموافق 05 ذي القعدة 1425هـ

مآلات الخاتمية ولعبة صناعة الملوك الإيرانية

محمد صادق الحسيني comments [at] alwasatnews.com

قطع الرئيس الإيراني الإصلاحي المعتدل محمد خاتمي الشك باليقين بخصوص «المعسكر» الذي ينتمي إليه. عندما قال بوضوح لا لبس فيه: «ان أنانية الغرب تتمثل في انه يتظاهر بأن أفكاره هي نهاية الأفكار وان على العالم ان يطبق الوصفة التي يعرضها هو»، داعياً مواطنيه وفي مقدمتهم القادرون على الإدلاء بأصواتهم في صناديق الاقتراع لاختيار الرئيس المقبل - من بعده - على قاعدة ما أسماه بـ «الديمقراطية الدينية» التي قال عنها إنها: «خيار الأكثرية الشعبية الحقيقي فيما لو استفتي من جديد» في إشارة واضحة - على ما يبدو - إلى الجدل الواسع الذي يدور هذه الأيام في أوساط الكثير من النخب الليبرالية الإيرانية القومية منها و«شبه الدينية» التي تطالب بما تسميه بـ «تجاوز» اطروحات الرئيس الإصلاحية «بعد ان وصلت إلى طريق مسدود» كما تقول وتدعو صراحة إلى «استفتاء» شعبي على تغيير الدستور.

الرئيس محمد خاتمي الذي ظل طوال السنوات السبع الماضية في موقع زعيم الإصلاحات في إيران من دون منافس يظهر اليوم في أعين تلك النخب التي «تدثرت» بعباءته طوال تلك الفترة وهي ترى فيه «جسراً» يوصلها إلى محطة التغيير الأخيرة لتطيح بحكومة «المشايخ» كما كانت تتمنى، وإذا به يقطع الشك باليقين عندما قال لها قبل أيام وهو يفتتح منتدى «سيادة الدستور، الآليات والعقبات» إنه يعتقد جازماً بأن الدستور الإيراني الإسلامي الحالي «قادر على توفير الأطر اللازمة لإقامة نظام ديمقراطي»، وان المشكلة تكمن في عدم وجود آلية تنفيذية بيد رئيس الجمهورية وتالياً عدم التطبيق الصحيح لروح الدستور، محذراً الجماعات الراديكالية التي باتت تقف على يساره من خطورة اللعب بورقة تغيير الدستور بالقول: «ان الدستور ليس الهوية حتى يتم طرحه في المناقشات اليومية العامة، الأمر الذي قد يعرض ركائزه للتقويض ويجعل الجمهورية في معرض الخطر».

وقد يكون هنا بيت القصيد الذي بات يتخوف منه الإصلاحيون المعتدلون ومنهم خليفة خاتمي المحتمل - على الأقل كمرشح يمكن ان يجمع عليه الإصلاحيون - اي رئيس البرلمان السابق الشيخ مهدي كروبي الذي يشغل موقع مستشار مرشد الثورة حالياً، والذي ذهب هو الآخر قبل أيام للتحذير من «خطر تعرض الجمهورية للخطر» ولكن من زاوية أخرى، محذراً اليمين المحافظ من «عدم الوفاء لمبادئ الجمهورية بحجة الدفاع عن الإسلام» كما جاء في محاججته الشهيرة مع مجلس صيانة الدستور المتهم من قبل الإصلاحيين بـ «فلترة» العملية الانتخابية، وشطب مئات الإصلاحيين من قوائم الترشح للدورة البرلمانية الأخيرة من دون حق. على أية حال فانه وأياً تكن آراء الجناحين التقليديين الرئيسيين بخصوص الرجل المناسب ليمثلهما في انتخابات الرئاسة المقبلة التي تستعد لها إيران في مايو/ أيار أو يونيو/ حزيران المقبلين لتختار خليفة خاتمي الذي سيغادر موقع الرئاسة في أغسطس/ آب المقبل فإن البلاد تبدو اليوم على مفترق طرق داخلية وإقليمية ودولية تتطلب من مطبخ صناعة القرار الإيراني حسماً واضحاً وشفافاً لا يقبل التفسير والتأويل.

في الداخل بات مطلوباً ان يأتي رئيس للجمهورية «موائماً» أو متوافقاً مع سائر المؤسسات والسلطات المتوزعة بشكل أفقي واسع، لكنها تقوم على عمود واحد عنوانه مرشد الثورة.

يبقى الوضع الدولي المثقل بالأحادية الأميركية التي بدأت تضيق ذرعاً حتى بحلفائها التقليديين فضلاً عن «أوروبا القديمة»، فإن المطلوب ان تكون إيران على «أجندة التغيير» الأميركية - الإسرائيلية شاء من شاء وأبى من أبى من الحلفاء، وكل ما هنالك ان وجد من ينصح من الأوروبيين مثلاً فانه يستطيع ان يحظى بـ «التغيير على نار هادئة» بدلاً من أسلوب الضربات العسكرية.

وهنا بالذات يصبح مفهوماً لدى أوساط كثيرة من نخب الإصلاحيين حتى البعض ممن صنّفوا سابقاً في عداد «الصقور» ما آلت إليه خيارات الرئيس خاتمي من مرافئ يحط فيها رحاله «الإصلاحي»، لا بل ان البعض منهم ذهب إلى أبعد من ذلك مبدياً حماسه لعودة ضرورية وملحة للرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني إلى سدة الرئاسية، واصفاً تلك العودة بـ «الملاذ الأخير» أو سفينة النجاة الوحيدة المتبقية أمام شتات الإصلاحيين المتناثر و«سن اليأس» الذي داهم عمرهم كما فصّل ما شاء الله شمس الواعظين الكاتب والصحافي المثير للجدل في وسط الإصلاحيين كما في وسط المحافظين لشهرته النقدية اللاذعة للجناحين.

في هذه الأثناء لا يستبعد عارفون بالشأن الإيراني أن يلجأ صاحب الكلمة الفصل في مطبخ صناعة القرار الإيراني إلى خيار رفسنجاني فعلاً نتيجة للظروف الدقيقة والصعبة الشائكة التي تنتظر إيران، والتي تتطلب من «رجل كل الفصول» و«بيضة القبان» الدائمة والثابتة ان يعود إلى الواجهة التنفيذية من جديد باعتباره الأكثر قدرة وجرأة على «المواجهة» إذا ما تطلب الأمر، كما على عقد «الصفقات الكبرى» إذا ما لزمت الحاجة، ومع ذلك يبقى خيار اللجوء إلى رجل مثل - وزير الخارجية السابق - علي أكبر ولايتي وارداً أيضاً ربما ليصبح رجال البيت الإيراني صفاً كأنهم بنيان مرصوص في مواجهة المرحلة المقبلة. على ان يفعّل دور «الشيخ الرئيس» في لعبة صناعة الملوك الإيرانية. ويعود الثنائي الذي ورث «الخمينية» بامتياز لقيادة السفينة الإيرانية بـ «صلابة» وحزم أكثر مستفيدين بامتياز أيضاً من تجربة «الخاتمية» الإصلاحية بعد أن ضمنوا رسو سفنها في مرافئهم

إقرأ أيضا لـ "محمد صادق الحسيني"

العدد 834 - الجمعة 17 ديسمبر 2004م الموافق 05 ذي القعدة 1425هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً