العدد 4901 - السبت 06 فبراير 2016م الموافق 27 ربيع الثاني 1437هـ

هل كل الجماهير مغفَّلة؟... نظرية غوستاف لوبون

رملة عبد الحميد comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

هناك فرق بين علم التحليل النفسي الذي أسسه فرويد القائم على استنباط الذات الفردية وعلم نفسية الجماهير أو سيكولوجية الجماهير القائم على الروح والعاطفة المشتركة بين الأفراد في حالة التجمهر والذي أسسه غوستاف لوبون الذي ولد في منطقة النورماندي عام 1841م، وتوفي في باريس عام 1931م، كتب أكثر من 50 كتاباً في العديد من المجالات المختلفة في الطب والفيزياء والانثروبولوجيا وعلم النفس الاجتماعي لكن أشهر كتبه على الإطلاق هو كتاب «سيكولوجية الجماهير»، هذا الكتاب الذي جاء في سياق الثورة الفرنسية وغضب الجماهير والتي يعزو إليها لوبون كوارث فرنسا لقوله «إن كل كوارث الماضي القريب التي منيت بها فرنسا وكل هزائمها والصعوبات التي تواجهها تعود إلى هجوم الجماهير على مسرح التاريخ وعدم معرفة مواجهته».

لوبون الذي فاجأ علماء أوروبا في علم الاجتماع والانثروبولوجيا وقادتها السياسيون في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين بعلم نفسية الجماهير، جعلتهم يطلقون عليه ماكيافيلي العصر الجديد عصر الجماهير، إنه عصر الجماهير التي ظهرت لأول مرة على سطح مسرح أوروبا السياسي عند الثورة الفرنسية ومن ثم جماهير النازية في ألمانيا، تلك الجماهير التي بلورت لدى لوبون ثلاث إجابات لتفسير ظاهرتها إما أنها عبارة عن تراكم أفراد هامشيين وشاذين عن المجتمع، أو أنها جماهير مجنونة بطبيعتها فإذا ما أحبت الجماهير ديناً أو بطلاً ما تبعته حتى الموت أو هي مجرمة فهي مؤلفة من الرعاع والأوغاد وهم يهددون أمن الدولة وسلامة المواطنين. لم يضع تعريف آخر للجماهير المحرومة والتي تجمعت بدافع الحاجة مادية أو معنوية، ربما صورة الجماهير التي كانت ماثلة أمامه هي صورة حالة هيجان الجماهير الفرنسية عند الاستيلاء على سجن الباستيل والضربات والطعنات التي تلقاها مدير سجن السيد دولوني ومن ثم جره لقتله في ساحة المدينة، فهو أطلق عليها جماهير مجرمة، وأخرى قابلة للتحريض والسذاجة وسرعة التصديق، والمبالغة في العواطف، والتي تمثلت في جماهير هتلر وموسليني، وعلى رغم تكرار لوبون أن الجماهير ليست مجرمة وليست فاضلة سلفاً، لكنه يؤمن بأن الفرد يذوب في الجمهور الذي يسيطر عليه نفسية واحدة وهي محركة للفعل، لذا فمهما يكن مستوى ثقافة الفرد وطبقته الاجتماعية ومهنته فمجرد انخراطه في الجمهور فهو يتحرك بشكل لا واعٍ أمام من يقود ذلك الجمهور.

ولكن هنا يطرح السؤال: ما الذي يحرك الجمهور؟ هل قوة الفكرة؟ أم الظرف؟ لوبون يشير إلى التغيرات الكبرى الساعية لاستبدال الحضارات والحكومات هي محسومة إذ تخضع لتحولات سياسية مترادفة مع السياق التاريخي، ويأتي هيجان الجمهور نتيجة لأفكار مزروعة مسبقاً نمت مع تلك التحولات فأصبحا في مخاض واحد، وفي فترة الذروة تكون الجماهير أكثر ميلاً وأكثر قابلية لقلب الوضع إلى شيء آخر، حتى تأتي لحظة الانفجار مباغتة.

هذه النفسية وهذه الروح الجماعية الجبارة تكون مجتمعة ومؤقتة، تكتسب خصائص محددة وقابلة للتحريض، فربما يصبح الجمهور جلاداً وربما يصبح شهيداً، وربما الاثنين، لكن هذا الجمهور هو بحاجة إلى قيادة يرى لوبون حتميتها إذ كتب: «أن يجتمع عدد ما، حتى يضعوا أنفسهم بشكل غريزي تحت سلطة زعيم ما أي محرك للجماهير أو قائد، فالقائد غالباً في البداية شخص مقود منبهر بالفكرة التي أصبح فيما بعد رسولها ومبشراً لها، وفي الغالب القادة لبسوا رجال فكر وإنما رجال ممارسة وانخراط».

على رغم دراسة لوبون لسيكولوجية الجماهير قائمة على أساس أنها جماهير مغفلة ساذجة، مجنونة، قابلة للتحريض، وقابلة للإجرام، لكنها تبقى دراسة لتاريخ نفسية الجماهير في أوروبا قبل قرن من زمان، ربما الآن تغيرت لم تعد ساذجة مغفلة، وربما لم تقم بحركة جماهيرية كبيرة وفاعلة بعد الحرب الثانية، لكن ما هو مؤكد أن حالة الجماهيرية انتقلت إلى الشرق الأوسط بكل تلاوينها، وهو عصر جديد تحركه الشعوب والجماعات الفاعلة، فهل نرسم صورة لجماهير مغايرة لجمهور غوستاف لوبون؟

إقرأ أيضا لـ "رملة عبد الحميد"

العدد 4901 - السبت 06 فبراير 2016م الموافق 27 ربيع الثاني 1437هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 2 | 3:19 ص

      سيكولوجية

      نظرية لوبون بانه سيكولوجية الجماهير تمتاز بعدم الوعي والاندفاع نحو تحقيق الهدف قد تكون الى حد ما صحيحة خصوصا حينما تكون القيادة لا تتميز بالفكر والنباه والثقافة الكافية لتحقيق الهدف المنشود.

اقرأ ايضاً