العدد 5190 - الإثنين 21 نوفمبر 2016م الموافق 21 صفر 1438هـ

مجلة «صوت البحرين»... وخطاب الخمسينات

وسام السبع wesam.alsebea [at] alwasatnews.com

قضيتُ على مدى الأيام الماضية ساعات ممتعة، وأنا أتصفح الأعداد الكاملة من مجلة صوت البحرين (1950 – 1954م) التي صدرت في أربعة مجلدات عن بيت عبدالله الزايد الصحافي التابع لمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة للثقافة والبحوث، هذه المجموعة التي ضمت 48 عدداً صدرت في غضون أربع سنوات تُعدّ فاصلة في خضمّ الحراك السياسي والاجتماعي الذي شهده مجتمع البحرين، وتاريخ نهضته الثقافية في الخمسينات.

مجلة «صوت البحرين» التي صدر منها 500 نسخة في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 2003 كان قد أصدرها مجموعة من مثقفي وأدباء البحرين، أطلقت على نفسها لجنة من شباب البحرين هم أسرة تحريرها جاءت ثمرة من ثمرات الدور التأسيسي للحركة الأدبية الحديثة لجريدة «البحرين» الذي قاد ركبها أديب البحرين عبدالله الزايد (1894 – 1945م) في الفترة الممتدة من 1939 حتى العام 1944م.

ولم تكن هذه النهضة الأدبية الواعدة منبتّة الصلة بما جاورها من حراك ثقافي شهدته المنطقة والخليج بشكل خاص، ففي الجوار ظهرت في الكويت سنة 1928 مجلة «الكويت» التي سبقت جريدة البحرين بعشر سنوات تقريباً، ومع ذلك فإن مؤسسها الشيخ عبدالعزيز الرشيد (ت 1938) لم يكن نموذجاً للمثقف التنويري الذي كان عليه نموذج عبدالله الزائد، إذ كانت طموحات الرشيد الإصلاحية مقيدة بفهمه للتجديد الديني بما يعنيه من مكافحة للبدع والانحرافات والأوهام المتزمتة.

وبالعودة إلى «صوت البحرين»، فإنها كانت تمثل بحق علامة فارقة في تاريخ الصحافة البحرينية، إذ حفلت أعدادها بكثير من المواضيع المتنوعة ذات الطرح المتزن واللغة الرصينة، وتميزت بالتنوع والشمول، من حيث معالجة القضايا الفكرية والأدبية والتاريخية والسياسية والاجتماعية.

وكان مديرها المسئول إبراهيم حسن كمال (ت 2000)، وسكرتير التحرير محمود محمد المردي (ت 1979)، وتتكون أسرة التحرير من: عبدالرحمن الباكر (ت 1971)، وعبدالعزيز سعد الشملان (ت 1988)، وحسن جواد الجشي (ت 2008)، وعلي التاجر (ت 2006)، كما ساهم في الكتابة بصفة شبه منتظمة عدد من الصحافيين وكبار الشعراء وعلى رأسهم: إبراهيم العريض (ت 2002)، وعبدالرحمن المعاودة (ت 1997)، وعدد من المثقفين الشباب منهم: علي سيار، على محمد فخرو، قاسم محمد فخرو، تقي البحارنة، حسين البحارنة، عبدالرسول الجشي أمدّ الله في أعمار الباقين منهم، وبقليل من التأمل ندرك ما تمثله هذه الأسماء من ثقل اجتماعي وسياسي، وما ستنهض به لاحقاً من أدوار مؤثرة في العمل الوطني كُلٌّ من موقعه واختصاصه.

صدرت المجلة في السنة الأولى في ما بين 42 و48 صفحة من القطع العادي للمجلات، وزيدت صفحاتها في السنوات الثلاث الأخيرة فوصل عددها إلى 70 صفحة، ومن حيث المحتوى، فإن المجلة تُعبر بكثير من الصدق والعفوية عن مجتمع البحرين في خمسينات القرن الماضي، بكل اهتماماته ومشاغله وقضاياه، وتُعدّ مرآة تعكس أوضاع المجتمع البحريني وشئونه وتوجهاته الأدبية والفنية والاجتماعية والسياسية.

وساهمت مجموعة من الأدباء والكتاب في داخل البحرين وخارجها من الأقطار العربية في إثراء المجلة بالمواضيع، وترسيخ اسمها كواحدة من المجلات الرائدة التي كانت تعمل على تعميق الوعي الثقافي والسياسي والارتقاء بالذوق الأدبي عند القراء، وكان النَفَس الوطني والقومي بارزاً بوضوح في ثنايا المواضيع المنشورة بالمجلة.

وكقارئ مهتم بالشأن التاريخي، لفت نظري حجم المواضيع التاريخية والتراثية القيمة التي ازدانت بها أعداد المجلة، وهو ما يدلل على إدراك واعٍ عند القائمين على المجلة بأهمية الارتقاء بوعي الناس التاريخي، باعتباره يُشكِّلُ مدخلاً من مداخل تثبيت الهوية الوطنية والدينية.

وأحد مآثر المجلة توثيقها لأبرز وأهم الأحداث الفكرية والأدبية بما في ذلك زيارات الباحثين والأدباء للبحرين، مثل زيارة سفير مصر في جمهورية باكستان المفكر العربي عبدالوهاب عزام (ت 1959)، والأديب علي الخاقاني (ت 1980) صاحب «مجلة البيان» العراقية الذي أشارت المجلة إلى أنه ينوي أن يصدر عدداً خاصاً من مجلته عن البحرين «دعاية لها وتنويهاً بما تم فيها من تقدم» كما أوضحت المجلة، ولا ندري هل التزم الخاقاني بتنفيذ وعده أم لا، لكنني وجدته يستذكر الكثير من المواقف ويحتفظ بكثير من المشاعر الخاصة تجاه البحرين وأهلها عند كتابته بشأن شخصية الشيخ عبدالحسين الحلي في كتابه الذائع: «شعراء الغري».

وقد حفلت أعداد المجلة بتراجم الكثير من العلماء والشعراء والأعيان والشخصيات العامة، وطرحت عدداً من المواضيع المتصلة بالآثار والتاريخ، حيث نجد في أحد الأعداد أن المجلة نشرت أسئلة من أحد القرّاء وردت عليها بشأن شخصيات تاريخية من البحرين، فأحالتها - كما تذكر المجلة - «للأستاذ محمد علي التاجر صاحب كتاب منتظم الدّرين في أعيان الأحساء والقطيف والبحرين» وأجاب عليها في صفحة (اسألونا).

ويكتب عبدالرسول الجشي عن «ردة البحرين أسطورة من أساطير التاريخ»، وعن «قاضي القضاة أبو جعفر عبدالرؤوف بن الحسين العلوي»، و«الحياة الدينية في البحرين»، كما نشرت المجلة مقالات مترجمة أبرزها: «البحرين ولاية عربية في فجر التاريخ» للدكتور بيتر بروس كورنوال، ومقالة آثارية بشأن «آكام القبور في البحرين» بقلم جيفري بيبي، ومقالة لجيمس حمد بلجريف بشأن «مستقبل البحرين الاقتصادي».

ويكتب تقي البحارنة عن ابن مقرب... شاعر مجهول، كما نشرت المجلة مقتطفات من تقرير مديرية المعارف لحكومة البحرين، وعدداً من المقالات التاريخية بقلم عبدالرضا الجبيلي من البصرة أبرزها موضوع بعنوان: «البحرين عربية قبل الفتح الإسلامي... فهل لإيران دليل يعارض حقائق التاريخ؟».

تتيح «صوت البحرين» لقارئ اليوم فرصة ثمينة لمعرفة خطاب فترة الخمسينات، وبالتالي الاقتراب من الظرف الاجتماعي والثقافي الذي يشكل حياة الناس آنذاك، والهموم الثقافية التي كانت تحرّك المزاج العام، الأخبار، والمقالات والقصائد الشعرية، وتعليقات القراء، والسِجالات، والإعلانات التجارية التي تطفح بها المجلة، والصور الفوتوغرافية التي تحمل قيمة وثائقية بالغة، وكمية النقد الاجتماعي المبثوث على صفحات المجلة، كل هذه الأمور تضع القارئ في صلب المشهد الاجتماعي لبحرين الخمسينات.

وليت صحافتنا المحلية اليوم تحذو حذو «صوت البحرين» في إحياء هذه السُنّة الحميدة، والدور الحسن في إعطاء البحث التاريخي حقه من الرعاية والاهتمام وتشجيع الباحثين والكتاب للمساهمة فيه.

إقرأ أيضا لـ "وسام السبع"

العدد 5190 - الإثنين 21 نوفمبر 2016م الموافق 21 صفر 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً