العدد 5205 - الثلثاء 06 ديسمبر 2016م الموافق 06 ربيع الاول 1438هـ

لا تُبقِي ولا تَذَر

رملة عبد الحميد comments [at] alwasatnews.com

كاتبة بحرينية

هذا وصف لنار الآخرة، في قوله تعالى: «وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ، لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ» (27-28: المدثر)، أي أنها لا تبقي لهم لحما ولا تذر عظما. هو العدل الإلهي بكل تجلياته، إذ ينال الظالمون مصيرهم المحتوم؛ لكن هل في الدنيا ما تستدعيه هذه الصفة مجازاً لأمور تخوض فيها البشرية لا تبقيها على وضعها السابق، فيكون الحال كالنار الهشيم تحرق بلهيبها الجميع دون استثناء.

الحروب مهلكة، والفتن مظلمة، لا تبقي ولا تذر، فالصراع والنفوذ يستعر، ولا يوجد ما يطفئه سوى إراقة الدماء وإشاعة الرعب والفوضى، وبعد أن ينهك الجميع ويدركوا أنهم على الأنقاض، يسعون حينئذ للسلام بعد أن لم تبقِ الحرب لهم شيئا ولم تذر بشراً، فهي مهلكة مستعرة، ولم تكن الفتن الطائفية والنعرات المذهبية بأفضل حالاً ليشعلها السياسيون ويتلقفها العامة، وتشتعل الصدور بالكراهية والضغينة، ولا يُطفئ غضبها سواء قطع الرؤوس، وهدم البيوت والمساجد والكنائس، فلا فرق بين حروب تخوضها دول على اقتسام النفوذ أو حروب داخلية تشعلها عصابات مهووسة بلعنة طائفية. فهل نحن مقبلون على حرب عالمية ثالثة مسرحها شرقنا الأوسط، فالحرب جنون وجريمة، فهتلر الذي أشعل الحرب العالمية الثانية يعترف بأنه لن ينتصر في الحرب أمام الحلفاء مجتمعين، لكنه يعلق: متى كانت الحرب عقلانية؟ فهل يتحرك العقلاء لوأدها، قبل أن يمسكها المجانين؟

التكنولوجيا ووسائل الاتصال الاجتماعي هي الأخرى لم تبقنا على حالنا، فقد أطلق عليها الكاتب العراقي حميد آل جويبر أنها العاصفة التي لا تبقي ولا تذر، في حين وصفتها الكاتبة السعودية غادة القحطاني بالمسوخ الصغيرة التي لا تبقي ولا تذر، يصف الجوبير حالنا بقوله: « كل ظل عاكفا عليه بكل قدسية وكأنه تمثال بوذا يداعب مفاتيحه السحرية أضعاف ما يداعب أبناءه. فأي هزيمة أنكر من هذي الهزيمة سنتجرع؟، نحن الآن في عين العاصفة سكارى، من دون وعي بسرعة دورانها حول أنفسنا، فلا تستغربوا من يوم سيطل فيه شيوخنا أصحاب الفضائل علينا بفتوى تجيز الصلاة قصراً إذا تعارض وقتها مع فريضة الفيس بوك التي أصبحت عمود الحياة»، بينما ترى القحطاني أن تأثير ذلك على الأجيال أعظم، إذ تشير: «ما الذي يحصل لجيلنا الصاعد، لا حديث يحسنه ولا قراءة»، فأين يكمن الخطأ، فهي ترى أن الخطأ يكمن في استخدام الجيل لأجهزة وبرامج التواصل، إذ أصبح على حد قولها: «بات لا يتحدث إلا بأسلوبها، ما يخيف تلك المخلوقات الصغيرة التي بدأت تتحول إلى مسوخ تتحدث بلغة مريخية غريبة» .

وحينما يتحول غضب الإنسان إلى ثورة لا تبقي ولا تذر، يكون عندها الغضب انتحاريًّا، فقبل أيام نشرت إحدى محطات التلفزة خبراً مفاده أن عاملاً في مطار موسكو أقيل من عمله، فجره غضبه إلى أن يحطم بجرافته إحدى الطائرات الواقفة في مدرج المطار، والتي تبلغ قيمتها 300.000 يورو.

يعتبر علماء النفس أن الغضب والقلق والاكتئاب، أعظم ثلاثة انفعالات تهدد توازن الإنسان، فعندما يصل إلى قمة غضبه، يودع عقله، وتشتغل في هذه الحالة مناطق الدماغ السفلية فقط، كما هي عند الضواري والسباع، وهذه أحد جوانب الإنسان العجيبة، اذ كيف أنه يتصرف أحياناً دون أدنى درجة من العقلانية؟ عندها لا يبقى لديه شيء ولا يذر، ولا تسلم حتى ألفاظه، وخاصة إذا كان مسئولا في حكومته، وهذا ما حدث مع وزير العدل المصري السابق المستشار أحمد الزند، فتصريحاته غالبًا ما يطلقها في حالة غضب وتخرج عن السياق، فقد أشعل أزمة في وسائل التواصل الاجتماعي عرفت بأزمة الـ»2 جنيه» حينما قال: «نحن لا نخاف ولن يرهبنا أحد، وعندنا عبقرية المكان والزمان، والمصري الذي لو أعطيته أموالاً يصرف 2000 جنيه ولو مش معاه يقدر يعيش بـ2 أو 3 جنيه في اليوم»، فضلا عن تصريح «إحنا الأسياد والباقي عبيد»، على رغم كونه وزير عدل، لكن تصريحه المسيء للنبي (ص) الذي أثار موجة غضب عارمة، كان سببا في إقالته من منصبه. فلا نقول إلا اللهم قنا من مهالك الدنيا ونار الآخرة، فكلاهما لا يبقي ولا يذر.

إقرأ أيضا لـ "رملة عبد الحميد"

العدد 5205 - الثلثاء 06 ديسمبر 2016م الموافق 06 ربيع الاول 1438هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 7:02 ص

      اللهم نعوذ بك من شرور انفسنا وسيءات اعمالنا نسال الله حسن الخاتمه لنا ولكم

    • زائر 4 | 4:19 ص

      كلام عجيب وموتقن

    • زائر 3 | 1:37 ص

      ...

      شكراً للكاتبة على هذا الإبداع، كما أشكر زائر ٢ على هذا التحليل الواقعي

    • زائر 2 | 11:47 م

      الغضب امر خطر وأخطر منه جدا حين يتراكم في النفس، سواء أكان غضب فردي او غضب جماعي، والغضب في حدّ ذاته أمر مذموم إلّا أنه لا يخلو من أن يكون محمودا في بعض الأحيان، فالغضب لله وللحقّ وانتصارا للمظلوم هو من الغضب المحمود وكما قيل من استغضب ولم يغضب فهو حمار.
      الغضب الجماعي وهو الأخطر حين يحدث فهو يجتث الأرض وما عليها وذلك يحدث بسبب التراكمات وبسبب وصول الانسان الى بوابة الاحباط واليأس

    • زائر 1 | 10:40 م

      مقال جدا رائع

اقرأ ايضاً