العدد 5223 - السبت 24 ديسمبر 2016م الموافق 24 ربيع الاول 1438هـ

قصة قصيرة... السبع

لطيفة راشد حمد - قاصة بحرينية 

تحديث: 12 مايو 2017

كان الهدوء قد نشر جزيئاته ها هنا في المحكمة قبل بضع سويعات، لكن... ما إن جاء المُتهم واعتلى المنصة، حتى تحولت المحكمة إلى مباراة لكرة قدم، هذا يُصفق، ذاك يُهلل، الآخر يصرخ أما ذاك فيُزمجر، المُتهم إنسان، مجرد إنسان أرهقته الحياة ولم تلون حياته إلا باللون الأسود، شعره أشعث كأنه لا يوجد شيء في الحياة اسمه مشط! عيونه تكاد تصبح حمراء والشرر يتطاير منها، ملابسه ممزقة بالية والتراب قد تُوج للسكن في كل بُقعة من جسده النحيل، بشكل عام هو أشبه بلاجئ أكثر منه متهماً، سقطت عيناه على الشهود فارتعش، قال: هم... هم الفاعلون... أنا لم أفعل شيئاً... أرجو... أرجوكِ أيتها الحياة... يا أيتها القاضية... ص... صد.. صدقيني أنا بريء، وسط ضجيج الشهود الذي يأبى أن يهدأ وحديث المُتهم انفجر رأس الحياة فصرخت: كفى أرجوكم، بعدما سكتوا أسدلت شعرها وتناولت منديلاً مسحت العرق المُلتصق على جبينها وطَفِقت تقول: الشاهد الأول، القلب، تفضل هاتِ ما عندك.
القلب: يا سيدتي، لقد خلقني الله ليناً طرياً ولم يخلقني حجراً قاسياً، لكن هذا الإنسان الذي يقف أمامنا، قد حولني إلى حجر صلب، يقتل، يسرق، يضرب، يهتك الحرمات والكثير غيرها من الأمور المُشينة التي يتعذر عليَّ تذكرها، لقد شوه سمعتي أنا القلب الذي يُرمز لي بالحب والهوى والعشق.

القاضية: انتزعوا منه قلبه فهو لا يستحقه.
الشاهد التالي، اليد.
اليد: أنا خلقني الله لمساعدة الفقراء بإعطائهم المال، بالمسح على رأس اليتيم ولإنجاز الأعمال المفيدة، لكن هذا الإنسان يسرق بي، يضرب الناس الضعفاء، يشرب الخمور ويتعاطى المخدرات.
القاضية: انتزعوا منه يديه فهو لا يستحقهما.
الرِجل، هيا تقدمي.
الرجل: أنا يا حياة، وُجِدت على هذه الأرض لأذهب إلى المساجد ومجالس الذكر، هذا الإنسان سخرني لأن أذهب إلى الحانات الرخيصة والديسكو ومجالس شرب الخمور.
القاضية: انتزعوا منه رجليه فهو لا يستحقهما.
الشاهد الرابع، البطن.
البطن: لقد خُلِقت لأتحرى الأكل الحلال الطيب، لكن هذا الإنسان، يأكل اللحوم التي لم يُذكر عليها اسم الله ولحوم الخنازير، ويشرب كل أنواع الخمور، والله إن دخلتِ فيه فستجدينه مصنعاً.
القاضية: انتزعوا منه بطنه فهو لا يستحقه.
التالي، اللسان.
اللسان: أما أنا فقد خُلِقت لتسبيح الله وتمجيده ونطق الشهادتين، لترتيل آيات القرآن وقول الكلمة الطيبة للناس، أما هذا المُتهم فقد سخرني للسب والشتم والقذف.
القاضية: انتزعوا منه لسانه فهو لا يستحقه.
التالي، الأُذن.
الأُذن: أنا يا حياة، خلقني الله لأستمع إلى القرآن وإلى الكلام المفيد والعلم النافع، أما هذا فقد سخرني لسماع الأغاني وسماع الحرام من القول. القاضية: انتزعوا منه أُذنيه فهو لا يستحقهما.
الشاهد السابع، العين.
العين: خلقني الله للتأمل في خلقه، لرؤية جمال هذا الكون والتغني به، أما الإنسان هذا والعياذ بالله فقد سخرني لرؤية المُحرمات من رقص وزنا. القاضية: انتزعوا منه عينيه فهو لا يستحقهما.
القاضية مرة أُخرى مُتهكمة: هه! تحسِبونه هيناً وهو عند الله عظيم! ما بالك أيها الإنسان تكابر وأنت جيفة نتنة، الآن أنت رَجِعتَ نطفة، لا تقدر على شيء خاليَ الوفاض. رُفِعت الجلسة.





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً