العدد 102 - الإثنين 16 ديسمبر 2002م الموافق 11 شوال 1423هـ

هل بدأ موسم الجفاء بين موسكو وبغداد؟

عصام فاهم العامري comments [at] alwasatnews.com

.

في كل الأحوال لا يمكن فهم قرار بغداد في الغاء الامتياز الممنوح لثلاث شركات روسية لتطوير حقل (القرنة الغربي الثاني) على النحو الذي برره وزير النفط العراقي عامر محمد رشيد أي مجرد رد فعل على عدم مباشرة الشركات الروسية بتنفيذ بنود العقد المبرم معها، وتاليا يمكن اعتباره مجرد قرار بيروقراطي فالحقل نفسه يحمل اغراءا اقتصاديا ذي طابع سياسي، اذ كثيرا من ما أبدت الشركات النفطية الروسية مخاوفها من خسارة تطوير الحقل لمصلحة الشركات الاميركية العملاقة اذا ما نجحت الولايات المتحدة في تغيير النظام السياسي في العراق. فالتقديرات الاولية تشير إلى ان إنتاجية هذا الحقل قد تصل إلى 600 الف برميل يوميا وذلك بعد ضخ استثمارات تقدر مبدئيا بنحو 3,7 مليارات دولار لاغراض تطويره.

صحيح ان بغداد وجهت للشركات الروسية الثلاث (لوك اويل) و (زارو بيجنيف) و(ماشينو امبورت) صاحبة امتياز تطوير الحقل انذارات للبدء في اعمال التطوير فيه، الا ان الشركات تلكأت في انتظار حصولها على موافقة الامم المتحدة أو رفع العقوبات عن العراق. ومن الناحية القانونية والتجارية البحتة كان من الطبيعي ان تقوم بغداد بالغاء الامتياز لان الطرف الروسي لم ينفذ أو يباشر بتنفيذ العقد الموقع منذ العام (1997). الا ان توقيت هذا القرار جعل عددا من المراقبين يركزون على بعده السياسي، سيما وان بغداد نفسها طالما اوحت بالاغراءات النفطية لأغراض سياسية.

وبالتأكيد ان التوقيت غير منعزل عن الامتعاض العراقي من الاتصالات التي اجراها مسئولون روس مع اطراف من المعارضة العراقية في المنفى وفي غير عاصمة منها واشنطن وطهران ودمشق واخيرا داخل الاراضي العراقية، إذ يقوم حاليا السفير الروسي في بغداد فلاديمير تيتو رينكو والمستشار السياسسي للسفارة بزيارة كردستان واجراء مشاورات مع الفصيلين الكرديين الرئيسيين اللذين يتقاسمان السلطة في هذه المنطقة منذ العام 1991.

ومع ان زيارة السفير إلى كردستان جاءت بعد حصوله على موافقة من الخارجية العراقية إذ تقتضي الاعراف الدبلوماسية ذلك، الا انها من المؤكد لا تحظى بارتياح بغداد... سيما وان السفير نفسه اعترف انه الا يقوم بمهمة وساطة بين الاكراد المعارضين والحكومة في بغداد، مؤكدا ان بلاده لا تتدخل في الشئون الداخلية العراقية. الا ان زيارته هذه ينظر لها المراقبون كجزء من التحولات التي اصابت الموقف الروسي خصوصا بعد لقاء الرئيس بوش بالرئيس بوتين الاخير في ضاحية بوشكين بالقرب من بطرسبورغ الشهر الماضي. اذ اشارت التقارير ان بوتين ابدى مرونة كبيرة لنظيره خصوصا فيما يتعلق بالعراق. واكد الرئيس الروسي في مؤتمره الصحافي المشترك مع نظيره الاميركي «ضرورة انصياع العراق بالكامل إلى قرارات مجلس الامن الدولي والا فسيتعرض العراق لعواقب وخيمة». الامر الذي فسر انه تخليا واضحا من موسكو عن بغداد. وتعزز هذا التفسير بعد زيارة سكرتير عام حلف شمال الاطلسي إلى موسكو جورج روبرتسون واجرائه مباحثات مع الرئيس بوتين وان جاءت تحت عنوان التنسيق بين الجانبين لاستئناف الحرب على الارهاب ومحاصرة انشطة التنظيمات الارهابية في العالم، الا ان المباحثات المغلقة بين الرجلين تسرب عنها انها ركزت في المقام الاول على التعاون الروسي مع الحلف في الوقوف عسكريا بجانبه وإلى جانب اميركا في الحرب المزمعة على العراق.

وبغض النظر عن التفاصيل التي اشارت إلى اتفاق بارسال روسيا لغواصات نووية وكاسحات الغام إلى منطقة الخليج قبيل بدء هذه الحرب. الا اننا نميل للاعتقاد ان التعاون بين الجانبين لن يكون بالضرورة عسكريا بل ربما كان استخباريا وسياسيا.

وفي الحقيقة ان بغداد لم تساورها الشكوك من ان الدبلوماسيين الروس يجرون في الكواليس مفاوضات مكثفة مع الاميركيين لمنح الشركات الروسية عقودا في المستقبل مع المحافظة على الامتيازات الاقتصادية المتحققة حاليا لروسيا.

وكان السياسي القومي فلاديمير جيرنيوفسكي الذي يقيم علاقات وثيقة مع بغداد لم يخف قناعته للمسئولين العراقيين من ان موسكو تتجه للتخلي عن حليفها التقليدي. وأعلمهم «ان الروس قالوا للاميركيين في الاحاديث الخاصة بين الطرفين (اذا ما قرروا مهاجمة العراق) فإن روسيا لن تدعمهم كثيرا علنا، لكنها ستتفهم وتتعاون سرا».

وعلى هذا الاساس، كان من الطبيعي ان تتوقع بغداد ان الغاءها امتياز تطوير حقل القرنة الغربي سيوفر ذريعة لموسكو للمضي قدما في تنسيقها مع واشنطن وربما اظهرته للعلن، وهذا واضح من التحذيرات التي صدرت من موسكو على خلفية القرار العراقي من انها ستتخلى عن بغداد بشكل كلي، مؤكدة إن قيام بغداد بإلغاء العقد سيحرم موسكو من احد اهم الاسباب لمعارضة عمل عسكري ضد العراق. وربما ارادت بغداد من وراء هذه الخطوة ان تجعل موسكو تعيد بعض حساباتها، وهذا المعنى واضح في تصريح وزير النفط العراقي عندما قال: «ان إلغاء العقد لا علاقة له بالحكومة الروسية». واضاف «إن مشروع اتفاق على وشك التوقيع مع شركة نفطية روسية اخرى».

وهنا علينا ان نتذكر ان مصالح روسيا في العراق ومنها المصالح النفطية تتعدى حقل القرنة الغربي لتشمل العقود الخاصة بمذكرة التفاهم ( برنامج النفط مقابل الغذاء) التي تحظى من خلالها روسيا باولوية اولى. فضلا عن ذلك هنالك امتيازات ممنوحة لتطوير عدة حقول لشركات نفطية منها الامتياز الممنوح لشركة (سلافنفت) المملوكة من الدولة لتطوير حقل (لحيس) جنوب العراق لاستخراج 500 مليون برميل. فيما حصلت شركات اخرى امتيازات تطوير حقول اخرى من بينها 45 بئرا في منطقة كركوك وتطوير حقول غاز الجنوب.

وبغض النظر عن التفاصيل، ان القرار العراقي وضع العلاقات الروسية العراقية على المحك وان موسم الجفاء قد نراه ظاهرا، لانه من غير المتوقع ان تختار روسيا الوقوف ضد اميركا في توجهاتها ضد العراق والتبرير الذي كثيرا ما سمعته بغداد من اصدقائها الروس ان القيادة الروسية لا تساورها اي اوهام حول النفوذ الحقيقي لبلادها. وان اميركا وافقت روسيا أو ابت تواصل الاستيلاء شيئا فشيئا على الوظائف التي كانت من صلاحيات مجلس الامن سابقا وانه لا احد يمكنه منع الولايات المتحدة من تطبيق استراتيجيتها في توجيه الضربات الوقائية لانها تملك تفوقا اقتصاديا وعسكريا على ما عداها من الدول الاخرى.

وبهذا المعنى فإن الاتصالات التي يجريها المسئولون الروس مع المعارضة العراقية ، واستعداد موسكو للتعاون التام مع واشنطن فيما يتعلق بالعراق انما يؤكد ان حرب اميركا على العراق حتمية ونيتها في تغيير النظام السياسي فيه لم تعد موضع شكوك. وان روسيا اختارت ان تبيع العراق خلال عقد مرتين اولهما اواخر العهد السوفياتي بداية التسعينات وثانيهما حاليا. فما الفارق بين اجتماع بوش الاب وغورباتشوف في ايسلندا وبين اجتماع بوش الابن وبوتين في بطرسبورغ؟

على أية حال، يمكن فهم خطوة بغداد بانها رسالة واضحة للاطراف الدولية الغربية بانها على استعداد للتعاون في مجال الاستثمارات النفطية والاقتصادية مع الشركات الغربية والاستعداد للتخلي عن الامتيازات الممنوحة للشركات الروسية بعد ان بدت موسكو مستعدة لبيع بغداد. وهذه الرسالة العراقية هي جزء من حزمة الرسائل والاشارات العراقية التي ارادت عبرها بغداد اعطاء الانطباع انها مستعدة للتكيف مع التغيرات الدولية شريطة عدم تعرضها للعدوان وللحرب

العدد 102 - الإثنين 16 ديسمبر 2002م الموافق 11 شوال 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً