العدد 178 - الأحد 02 مارس 2003م الموافق 28 ذي الحجة 1423هـ

الحد الأدنى من الممكن

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

أخيرا انتهت القمة العربية في شرم الشيخ على الحد الأدنى من الممكن. فالقمة لم تطلب المستحيل كذلك لم تذهب بعيدا في توقعاتها. كانت أكثر من موضوعية، واكتفت بالحد الأدنى المطلوب حاليا لحماية ما تبقى من مصالح عربية مشتركة. طلبت القمة العربية الحد الأدنى من الممكن وليس الحد الأقصى، والحد الأدنى ليس قليلا إذا أحسنت الدول العربية التنسيق وأوجدت الآلية التي تتحرك سياسيا ودبلوماسيا لضبط المصالح العربية ضمن سيادة الدول التي تنص عليها القوانين والشرعية الدولية. الدول العربية ليست ضعيفة كما يظن بعض قادتها فهي تملك من القدرات التي تحتاج إلى اكتشاف ومزيد من التطوير والحد الأدنى من التنسيق حتى تستعيد وزنها ومكانتها في عالم لا يحترم الضعفاء ولا يقيم الاعتبار لقوى قررت الاستسلام أو الخضوع للأمر الواقع.

القوة الأميركية الغاشمة تستطيع التدمير العشوائي، لكنها لا تقوى على صنع السياسة إذا كانت هناك روح المقاومة أو ممانعة لخطط تآمرية. والقوة الأميركية يمكن أن تنجح في تغيير الجغرافيا السياسية لكنها غير قادرة على تغيير التاريخ، فالتاريخ أقوى من القوة الأميركية إذا توافرت الإرادة، وهو يعيد توحيد الجغرافيا في حال نجحت السياسة في التفكيك والتقسيم والتوزيع.

الدول العربية ليست ضعيفة كما يتصور بعض قادتها. وهي لو كانت ضعيفة، كما يتصور هذا البعض، لما اضطرت الولايات المتحدة كل عقد من الزمن إلى انزال جيوشها في المنطقة أو تكليف وكيلها الاقليمي السابق «إسرائيل» بمهمات عسكرية لكسر الإرادة العربية أوتطويعها. فالضعيف الخائف لا يحتاج إلى الأساطيل البحرية وحاملات الطائرات لتخويفه وارهابه.

هناك قوة عربية كامنة على رغم كل مظاهر الضعف والتفكك والانقسام الذي يبدو أنه أقوى من عناصر التوحد والتجمع، والقوة العربية موجودة حتى لو تظاهرت بعض الدول العربية بعدم وجودها أو تجاهلت العناصر الكامنة في الجغرافيا أحيانا وفي التاريخ في كل الحالات.

القوة العربية موجودة وهي ليست بحاجة إلى اختراع، كما هو الأمر الحاصل في أوروبا، بل بحاجة إلى اكتشاف آلياتها والعمل على تطويرها والتنسيق بين عناصرها المتفرقة. فالحد الأدنى من التوحيد يعطي فعالية سياسية أقوى بكثير من كل التوقعات. والحد الأدنى من الممكن ليس كثيرا، ولكنه الآن وفي الظروف الدولية الطاغية ليس قليلا. فالقليل العربي إذا أحسن اختياره واستخدامه يعطي نتائج أكبر من التوقعات، وهو كاف لتأسيس ممانعة سياسية قادرة على احباط الكثير من الخطط والاستراتيجيات.

قالت الدول العربية كلمتها في شرم الشيخ، وهي على ضعفها وهزالها، كافية لايصال الرسالة واسماع من يريد أن يسمع ما هو الحد الأدنى العربي الذي ينطلق من قاعدة مبدئية «الرفض المطلق» للحرب على العراق.

ماذا تستطيع أن تفعل الولايات المتحدة أكثر مما هي فاعلة؟ وما الرد الذي يمكن أن توجهه إلى الدول العربية أكثر من التهديدات والحشود؟ لتفعل واشنطن ما تريد أن تفعله. فالرسالة العربية وصلت إلى العالم وسبقت صواريخها وقذائفها التي تهدد بها العراق وغير العراق. فالكلمة في نهاية المطاف أقوى، وهي تعيد تأسيس ما بعثرته السياسة ومزقته الجغرافيا. والكلمة - الحق أقوى بكثير من الجيوش حين تقال في الوقت المناسب وفي المكان المناسب. فالدول العربية مهما تظاهرت بالضعف هي قوية. قويه بنظر الدول الكبرى لا في نظرة بعض قادة الدول العربية. فالدول الكبرى تدرك تماما قوة العرب وتتصرف ضدنا على هذا الأساس، وترى في الساحة العربية عناصر قوة متجمعة لا تتوافر في أي مكان (جغرافيا) آخر.

الولايات المتحدة تعرف أين قوة العرب، كذلك فرنسا، وألمانيا، وروسيا المترددة، والصين البعيدة. كل هذه الدول وغيرها من مراكز ومواقع مهمة عالميا تعرف عن قوة العرب أكثر من الدول العربية، وهي تحسب حسابات كثيرة بناء على قراءة عناصر قوة الأمم وضعفها لا على أساس مواقف الحد الأدنى التي تصدر عن جامعة الدول العربية وقممها العادية والطارئة. فالقليل الذي يصدر عن الدول العربية هو كثير بمقاييس الدول الكبرى. والحد الأدنى العربي إذا أحسن استخدامه ووضعت الآليات المناسبة لتفعيله هو الأعلى في زمن تراجعت فيه امكانات الممانعة. تستطيع الولايات المتحدة ان تحترم الكلمة العربية... وأيضا تستطيع ألا تقيم لها أي اعتبار وتتصرف كما تريد من دون اكتراث لقرارات القمة. إلا أن رسالة الحد الأدنى من الممكن العربي وصلت. وهذا كاف الآن، وهو أضعف الايمان

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 178 - الأحد 02 مارس 2003م الموافق 28 ذي الحجة 1423هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً