العدد 216 - الأربعاء 09 أبريل 2003م الموافق 06 صفر 1424هـ

نقاط ضعف

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

يمكن القول بعد 22 يوما على العدوان الاميركي (المدعوم بريطانيا) ان العراق دولة ساقطة عسكريا. هناك بعض المعارك المتفرقة على جيوب مقاومة في العاصمة وقطاعات عسكرية محاصرة في الشمال (الموصل، كركوك، وتكريت) والشرق (القرنة، والعمارة) إلا ان المنطق يقول ان المعركة انتهت لتبدأ الحرب السياسية.

سقوط العراق عسكريا ليس امرا غير متوقع. فكل الحسابات كانت تشير إلى حصول مثل هذه النتيجة وغير ذلك كان مجرد اوهام وأمنيات لا تنطبق في مضمونها وارقامها على ارض الواقع. المهم في المسألة ألا يسقط العراق سياسيا. فالحرب ليست معركة عسكرية وانما ممانعة سياسية تعطل امكانات تحويل الفوز الحربي إلى انتصار يشمل مختلف القطاعات وبالتالي تحويل العراق إلى قوة مضادة للفكرة العربية - الاسلامية ومنظومتها الاقليمية. وهنا تحديدا مكمن المعركة الحقيقية فإذا حصل مثل هذ الامر تكون الولايات المتحدة نقلت فوزها العسكري من الميدان الحربي إلى الساحة السياسية، واذا فشلت سيكون نصيبها الاحباط والانحسار العام عن المنطقة العربية - الاسلامية. فما حصل في العراق هو اختبار واختيار. والعراق هو البداية ومحاولة جس نبض لعناصر الضعف والقوة محليا واقليميا وأوروبيا ودوليا... وحتى الآن لاتزال المعركة جارية على مستويات مختلفة لتطويق النتائج والحد من الخسائر.

الظاهر حتى الآن ان الحرب كشفت عن عناصر ضعف على أكثر من مستوى. وهنا بعضها:

اولا، كشفت الحرب عن تخثر النظام العراقي «السابق». فالاستبداد السياسي مضافا إليه الحصار الدولي الذي امتد إلى 12 سنة نخر الاسس العامة للدولة وجعل منها مجموعة حلقات هشة ومتراكمة تبرر وجودها بالنفاق المتبادل. مثلا وقبل شهور قليلة جرى استفتاء على رئاسة صدام حسين فنال مئة في المئة متجاوزا بذلك كل التوقعات والارقام القياسية. وعند التجربة (المعركة العسكرية) تبين ان تلك النسبة كاذبة مئة في المئة والمقاومة التي حصلت بطولية وباسلة ولكنها اقل من المتوقع ولا تصل نسبتها إلى عشرة في المئة من قدرات العراق وقوة شعبه.

ثانيا، كشفت الحرب عن ضعف النظام الاقليمي(دول الجوار) وعجزه عن التوصل إلى اتفاق الحد الادنى الذي يعطل امكانات تحول الفوز العسكري في العراق إلى محطة سياسية قد تسهم في اضعاف دول الجوار وجر سلسلتها حلقة بعد حلقة قبل ان تنجح في ضبط مصالحها وتحصينها من عواصف مقبلة.

ثالثا، كشفت الحرب عن ضعف النظام العربي وعدم قدرته على التوصل إلى برنامج عمل يتمتع بآليات تنظيمية تنقل الكلام من لغة العواطف إلى لغة المصالح وإعادة ربط المشروع العربي في حدوده الدنيا بنمو مجموعة قوى دولية بدأت معالمها في الظهور في اوروبا مدعومة من روسيا والصين. فالنظام العربي ليس نظاما وإنما هو مجموعة انظمة متفرقة تحتاج إلى إعادة تنظيم وترتيب قبل ان ينفك قالب جامعة الدول العربية وينفرط إلى مؤسسات مستقلة تتحرك وفق حاجاتها الخاصة وظروفها الموضوعية.

رابعا، كشفت الحرب عن ضعف اوروبا وعدم قدرة الاتحاد الاوروبي على تشكيل استراتيجية دفاعية تحمي سوقه الاقتصادية وتدافع عنها امام الهجوم الاميركي الوقائي في مناطق وسط اوروبا وآسيا للسيطرة على منابع النفط ومصادر الطاقة وخطوط الامدادات التجارية البحرية والاستراتيجية.

خامسا، كشفت الحرب عن ضعف النظام الدولي المتمثل في الامم المتحدة وعدم تمكن الاخيرة من طرح مشروع بديل عن الهجوم الاميركي الوقائي (الحرب الاستباقية) ولجم تحركات واشنطن المستقلة عن المنظومة الدولية ومراجعها القانونية والشرعية. فالامم المتحدة حتى الآن لاتزال تتحرك في اطار احتواء تداعيات الحرب على العراق والحد من الطموحات الاميركية التي تريد عزل العالم عن المشاركة أو المحاصصة في غنيمة العدوان.

ونقطة الضعف الاولى في الامم المتحدة عدم قدرة الدول العربية على التوصل إلى برنامج عمل موحد (بعد نقاشات استمرت قرابة الاسبوعين) لطرحه على الجمعية العامة لاصدار قرار مدعوم اوروبيا وروسيا ومن دول عدم الانحياز (الافرو - آسيوية) لوضع سقف سياسي للعدوان على العراق وضبط نتائجه ضمن الحد الادنى من الخسائر.

حتى الآن... هذه هي محصلة 22 يوما من العدوان على العراق. والاخطر من سقوط العراق عسكريا هو سقوطه السياسي. فالسقوط الاول مجرد معركة، أما السقوط الثاني فهو كارثة. السقوط السياسي يعني ان العدوان حقق غاياته البعيدة متخذا من العراق قاعدة انطلاق لتغييرات في الجغرافيا السياسية تستفيد منها «اسرائيل» وتكون الدول العربية (وتحديدا الانظمة) الخاسر الأكبر

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 216 - الأربعاء 09 أبريل 2003م الموافق 06 صفر 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً