العدد 216 - الأربعاء 09 أبريل 2003م الموافق 06 صفر 1424هـ

أميركا... أميركا ماذا بعد؟

علي العبدالله comments [at] alwasatnews.com

.

في الوقت الذي تدور فيه الحرب على مشارف بغداد، بدأ الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب، وكأن النتيجة اصبحت محسومة. وجّهت اميركا تحذيراتها بكل الاتجاهات، وخصوصا إلى الدول المجاورة للعراق، وغير المتعاونة. هدّدت سورية وإيران، لكنها طمأنت تركيا من خلال زيارة كولن باول لها. لماذا هذا القلق الاقليمي؟

إذا تأمّلنا شخصين جالسين على كرسيين قرب بعضهما البعض، ولا تفصلهما سوى المسافة العاديّة، لكل منهما دوره ووزنه الخاص. ماذا قد يحدث إذا أتت غوريللا يبلغ وزنها 5 آلاف رطل، وأرادت الجلوس بالقوة بين هذين الشخصين؟ العراق وسورية وإيران هي الدول الصغيرة، واميركا الغوريللا الآتية من مسافة بعيدة لتأخذ مكانها في المسرح الصغير. فلنتأمّل الصورة.

أين الخلاف العربي الأميركي؟

المعضلة الاساسيّة بين العرب واميركا، تكمن في الاختلاف الجذري لوعيهم وادراكهم الحسّي Perception للموضوعات والمشكلات نفسها، وكيفية مقاربتها، والتي تسيّر السياسة العالمية حاليا. لكن كيف؟

في النظرة إلى القضيّة الفلسطينيّة:

1- تعتبر اميركا انها تريد حلا عادلا للقضية الفلسطينيّة، وهي ترسم الخطط. والمشكلة برأيها هي عند العرب، وخصوصا في القيادة الفلسطينية. وهي تعتقد أيضا ان حل القضية الفلسطينية ليس ملحّا، وقد يأتي بعد الانتهاء من محور الشر. وتعتبر اميركا انه من المفروض ان يحبها العرب. فهي منعت «إسرائيل» من القضاء عليهم في الحروب التي خاضوها، وهي التي تدافع عن المسلمين في كوسوفو. وهي ايضا التي ساعدت عبدالناصر العام 56. وأيضا، تصنف اميركا المنظمات الفلسطينية والاسلامية المتشددة، على انها منظمات ارهابية.

2- ينظر العرب إلى ان اميركا هي حامية «اسرائيل». وهي التي ساهمت في زرعها في قلب العالم العربي. وهي تتعاون معها استراتيجيا على تقسيم المنطقة كي يسيطروا عليها. ويعتبر العرب ان مصلحة اميركا هي مع العرب، فلماذا الوقوف مع «اسرائيل» والتي تعتبر عبئا ماديا عليها، في الوقت الذي يؤمّن فيه العرب الطاقة للعم سام؟

في النظرة إلى الارهاب:

1- تضع اميركا في نفس السلة كل المنظمات المجاهدة، وتصفها بالارهابية، وخصوصا العربية، وبالتحديد الاسلامية. هكذا هي الحال بعد 11 سبتمبر/ايلول. وهي بدأت بالفعل حربها العالمية على هذه المنظمات، وقد لا تسلم دول المنطقة المعارضة لأميركا من هذه الحملة.

2- يعتبر العرب انه يجب التمييز بين الارهاب الذي وقع في 11 سبتمبر، والمنظمات التي تسعى إلى استرداد حقها السليب، وخصوصا ان هذه المنظمات كانت قد استنكرت ما وقع لأميركا، وكانت قد حصرت نشاطاتها العسكرية في النطاق الجغرافي المحدد لاهدافها. لكن القدر السيئ لهذه المنظمات، جعل منطقة جهادها داخل فلسطين المحتلة حيث «اسرائيل».

إذا أين الخطورة في هذا الوضع؟

إذا ما اضفنا الغوريللا الاميركية الآتية إلى العراق، والاختلاف في النظرة إلى الموضوع العراقي، وكل ما ذكرناه آنفا، فإننا بالتأكيد سنرى صورة قاتمة قد لا نعرف بالتحديد ما قد تنتج. فالمنطقة مفتوحة على كل الاحتمالات، لأن التغييرات الكبيرة، تأتي عادة مع الحوادث والمتغيرات الكبيرة. تفرّد اميركا بمصير العالم، وذهابها إلى الحرب على العراق من دون الشرعية الدولية، وسكوت العالم على ذلك، يشكّل بالتأكيد أحد اهم الحوادث الكبيرة في مطلع القرن الحادي والعشرين، ومن هنا تأتي الخطورة. يُضاف إلى ذلك وجود إدارة اميركية لا تؤمن إلا بالعنف وسيلة للدبلوماسية، وهي تتزامن مع حكومة «إسرائيلية» موجودة ضمن التصنيف نفسه. ألا يجب القلق؟

هل يمكن للعراق ان يشكّل مناسبة للمصالحة مع العالم؟

بدأت تظهر للعلن الاختلافات الجذريّة داخل الادارة الاميركية فيما خص العراق، لمرحلة ما بعد صدام. فكولن باول يعتبر هذه المناسبة مهمة للمصالحة مع العالم، واسترداد القوى الكبرى إلى تحت المظلة الاميركية، خصوصا في أوروبا. فهو يريد العودة إلى الامم المتحدة لمشاركتها في إدارة العراق المستقبلي. يجاريه في هذا الطرح، رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، الذي يعاني من مشكلات سياسية داخل انجلترا، وخصوصا داخل حزبه. هذا عدا عن وعيه، أي بلير، لواقع بلاده الجيواستراتيجي. فانجلترا تقع على مرمى حجر من باريس والمانيا.

في الجهة المقابلة، هناك الصقور في الادارة الاميركية. فهم يعتبرون ان من يدفع الدم، هو الذي يقبض الجائزة. والامم المتحدة كانت قد خانت دورها الاساسي ولم تعد المرجع الصالح.

لكن ماذا عن بغداد؟

إن شكل الصورة السياسية لعراق ما بعد صدام، يتعلق مباشرة بطريقة انهاء الحرب. ويتساءل الخبراء، هل ستكون حرب بغداد نزهة للاميركيين، على غرار حرب تحرير باريس من الالمان ابان الحرب الثانية؟ ممكن، فالظواهر والمؤشرات الميدانية حتى الآن تدعم هذا السيناريو، إلا إذا وقع شيء ليس بالحسبان.

هل ستكون الحرب في بغداد على غرار حرب العاصمة الالمانية برلين، أيضا في الحرب الثانية، إذ دمرها السوفيات، لكنهم تكبدوا أكثر من 80 الف قتيل في ثلاثة أيام فقط؟ مستبعد، لان الهدف السياسي الاميركي الحالي، يضع الكثير من التعقيدات على الخطة العسكرية.

هل ستكون على غرار حرب حصار بيروت، إذ طوّق الاسرائيليون العاصمة لمدة سبعين يوما، مع قصف عنيف لكل بقعة منها، ولم يستطيعوا التقدم سوى بضعة امتار؟ ايضا مستبعد.

فإذا ما عرف الرئيس صدام كل هذه التقييدات على العسكر الاميركي، فهو قد يطلع حتما بخطة عسكرية فريدة من نوعها، وقادرة على افشال المخطط الاميركي. هل هذا ممكن؟ حتى الآن، لا مؤشّرات.

في الختام، وجب علينا العودة إلى الذاكرة العربية، والتي هي عادة قصيرة وعمياء لنقول: فشلت الانظمة العربية دائما في تحقيق طموحات شعوبها. فهي أخذتهم من هزيمة إلى أخرى، ولم تُحاسب على ذلك. لكن الثابت، هو انه وعند كل فشل على صعيد الانظمة، كانت تنبري منظمات غير رسمية، لتأخذ المشعل فتتابع الصراع. بعد نكبة يونيو/حزيران 1967، تراجعت الانظمة لصالح منظمة التحرير الفلسطينية. بعد حرب 1991، اتت اميركا وسيطرت على الجزيرة العربية، واستمرّت خلالها الازمة العراقية (يُلام النظام العراقي عليها كثيرا)، انبرت القاعدة لاخراجهم من ارض الاسلام. وبدلا من اخراجهم، ها هم يدخلون إلى بيوتنا وعقولنا بعد ان كانوا في القواعد العسكريّة. والآن، وبعد فشل الانظمة العربية في حل القضيّة العراقية، نسأل: ما هو شكل المنظمة التي ستحمل مشعل الصراع، وهل سيكون هناك من منظّمة؟ فلننتظر لنرى

العدد 216 - الأربعاء 09 أبريل 2003م الموافق 06 صفر 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً