العدد 242 - الإثنين 05 مايو 2003م الموافق 03 ربيع الاول 1424هـ

مغامرات بوش الابن

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

هناك إشارات متناقضة ترسلها واشنطن يوميا إلى سورية وإيران ولبنان. والإشارات في مجموعها تتجه نحو تحديد أهداف جديدة للهجوم الأميركي في المنطقة. حتى الآن لا تبدو تلك الإشارات خطيرة، ولكنها في دلالاتها العامة تؤشر على اتجاه لا يبشر بالخير في حال تواصلت الضغوط الإسرائيلية (المدعومة باللوبيات السياسية في الكونغرس) على الإدارة الأميركية.

حتى الآن لا تبدو الإشارة تستدعي الاستنفار العام، ولكن إهمالها وعدم التعاطي معها بجدية ليس موقفا حكيما، وخصوصا إذا قرأنا بدقة تصريحات المسئولين في وزارتي الدفاع والخارجية... حتى بعض تلميحات سلبية أتى عليها الرئيس الأميركي مرارا في خطاباته النارية.

الخوف ليس جيدا كذلك عدم الاكتراث. لذلك لابد من قراءة موضوعية لأهداف تلك الحملة التي تستند على اتهامات مزعومة من جهة، وتطرح من جهة أخرى سلسلة مطالب لا صلة لها أصلا بالموضوع العراقي والوضع المتأزم الذي أنتجه الاحتلال. فأميركا تحاول بعد فوزها العسكري تصدير فشلها السياسي، حتى الآن في العراق، إلى الدول المجاورة وتحميلها مسئولية الأزمة الناجمة عن تداعيات الاحتلال وعدم تجاوب أهل بلاد الرافدين مع رموزه العراقية المستوردة من لندن وواشنطن.

أميركا الآن مسترخية ومتلهية بالتهام الفريسة، إلا أنها ليست نائمة بل لاتزال تمر في سلسلة توترات داخلية، أبرزها: الجمود الاقتصادي واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية (في العام 2004). والرئيس بوش الإبن لا يريد تكرار تجربة الأب في العام 1992. فالإبن يدرك أن والده خاض سلسلة حروب خارجية أبرزها في بانما (1989) والعراق (1990 ـ 1991)، ونجح بها جميعها إلى درجة أن شعبيته وصلت إلى نسبة 90 في المئة في ربيع 1991، ثم تراجعت النسبة في أقل من سنة بسبب الجمود الاقتصادي وتحديه لمجموع اللوبيات الصهيونية، بسبب ضمانات القروض ورفض «إسرائيل» وقف بناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية.

وبسبب تلك التوترات الداخلية فشل بوش الأب في الانتخابات الرئاسية وانقلب الوضع على الحزب الجمهوري لمصلحة الحزب الديمقراطي (بيل كلينتون) لمدة ثماني سنوات على دورتين متتاليتين... وكاد أن يفوز الحزب المنافس في دورة ثالثة لو لم تحصل تلك المشكلة في ولاية فلوريدا.

لاشك في أن الرئيس بوش الابن يضع تلك التجربة القاسية التي مرّ بها والده في الاعتبار. ولابد أن القلق ينتابه حين تمر في ذاكرته تلك الفترة، وتزداد مخاوفه إذا تكررت معه تجربة والده. فالشعبية في الولايات المتحدة ليست ثابتة. والثابت الوحيد في تلك الدولة هو الاقتصاد الذي تتحرك مؤشراته صعودا وهبوطا كل يوم. والناخب الأميركي يفتخر بإنجازات دولته العسكرية في الخارج، إلا أن «المفاخرة» الوطنية لا تدوم كثيرا إذا لم تترجم في جعبته بالمزيد من المال والأعمال والتأمينات الاجتماعية والصحية.

إضافة إلى الاقتصاد، هناك دور الإعلام (الصحافة ومحطات التلفزة) في صناعة الرأي العام وتوجيه اختياراته السياسية. وهذا الأمر الإضافي كان من الأسباب التي أطاحت بوالد الرئيس بوش وأفشلت حملته الرئاسية على رغم التنازلات الكثيرة التي قدمها في الأسابيع الأخيرة لـ «إسرائيل» وتراجعه عن موضوع ضمانات القروض والمستوطنات وغيرها من مسائل كانت تضغط واشنطن لتحقيقها على مستوى «الشرق الأوسط» بعد مؤتمر مدريد.

لم تسعف تلك التنازلات والتراجعات الرئيس الأب في معركته، وانتهى به المطاف إلى الخروج من البيت الأبيض.

لاشك في أن الابن يراقب جيدا وضعه الانتخابي في ضوء تجربة والده المرة، ولا يريد أن يكرر الفشل مرة ثانية معتمدا على ارتفاع شعبيته بسب مغامراته العسكرية الناجحة في أفغانستان والعراق.

هناك قرابة 18 شهرا تفصل بوش الإبن عن معركة الرئاسة، ولاشك أن تركيزه الآن بدأ ينصب على إنجاح معركته ومنع خصمه الديمقراطي من النفاذ إلى نقاط قوته وتفريغها من نتائجها السياسية، بعد أن يخف «الحماس الوطني» والإعجاب بقدرات التكنولوجيا العسكرية. فالمدة التي تفصل بوش الابن عن الانتخابات الرئاسية قصيرة (18 شهرا)، إلا أنها في المقاييس الأميركية طويلة كفاية إلى حد أن الوقت قد يأكل «الانتصارات» العسكرية. وبتآكل النجاحات في الخارج يصبح الداخل هو الأساس في تحديد اختيارات الناخب الأميركي.

وتأسيسا على تجربة والده القاسية لابد أن بوش الابن يفكر الآن على ثلاثة مستويات لإبقاء نسبة شعبيته مرتفعة من الآن حتى موعد انتخابات الرئاسة، وهي، أولا: محاولة استثمارات نجاحاته العسكرية في الاقتصاد الأميركي، وبذل المزيد من الجهود لتحريك أسواق المال والبورصة والنفط والضريبة.

ثانيا: عدم الضغط على «إسرائيل» خوفا من أنصارها في الكونغرس ومؤسسات الإعلام الأميركية المطبوعة والمرئية.

ثالثا: تكرار مغامراته العسكرية حتى يبقى الناخب الأميركي يعيش أجواء النشوة والافتخار بقدرات مؤسسة الدفاع والتكنولوجيا العسكرية.

المستويات الثلاثة في تفكير بوش الابن واردة في خطته المقبلة، وليس صحيحا القول إن إدارة البيت الأبيض انتهت الآن من مرحلة التركيز على مغامرات الخارج، وانتقلت بقضها وقضيضها إلى معالجة مشكلات الاقتصاد، مستخدمة «غنائم الحرب» في حل بعض الأمور المالية العالقة في بورصة نيويورك. الكلام المذكور صحيح عموما، إلا أنه ليس دقيقا في التفاصيل... وتحديدا حين تكون التفاصيل متعلقة بوعود بوش لشارون وضمانات واشنطن للقروض وأمن «إسرائيل».

تجربة الأب ماثلة أمام الابن، وخصوصا حين تتعلق المسألة بـ «إسرائيل» وأنصارها في الكونغرس وقطاعات الإعلام والصحافة والتلفزة... واستتباعا... ضمانات القروض ومصالح «إسرائيل» وأمنها ومشروعها في المنطقة.

هذا الهاجس يؤرق بوش الابن، ولابد انه يفكر بمعالجته على مستوى مختلف عن الطريقة التي عالجها والده في العام 1992.

الإشارات المتناقضة التي ترسلها واشنطن يوميا إلي سورية وإيران ولبنان ليست خطيرة حتى الآن، ولكنها في دلالاتها العامة تؤشر على اتجاه لا يبشر بالخير

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 242 - الإثنين 05 مايو 2003م الموافق 03 ربيع الاول 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً