العدد 1644 - الخميس 08 مارس 2007م الموافق 18 صفر 1428هـ

عيدي أمين... آخر ملوك اسكتلندا وقاهر الإمبراطورية البريطانية

ضحية الدكتاتورية أم الكراهية الغربية؟

«آخر ملوك اسكتلندا» هو اسم الفيلم الذي حاز جائزة الأوسكار لأفضل ممثل أخيرا. ويروي الفيلم قصة طبيب اسكتلندي حمله حب المغامرة إلى الهجرة خارج الجزر البريطانية الباردة، فأوقعه الحظ في أوغندا الواقعة على خط الاستواء. طريقة الانتقال التي اختارها المؤلف هي باستخدام مجسم كرة أرضية يديره الطبيب الشاب، فتقع يده على كندا، ولكنه يديره مرة أخرى فتقع على أوغندا، وهكذا يشد الرحال.

وتنتقل الكاميرا إلى باص ينقل مجموعة من المسافرين إلى مستشفى لإحدى الإرساليات التبشيرية، في بلدٍ تركيبته الدينية موزعة بالتساوي بين الإسلام والمسيحية والوثنية. المصادفة وحدها شاءت أن يصل مع انقلاب قاده المارشال عيدي أمين ضد زميله ميلتون أوبوتي العام 1971. وهكذا سار على نهج العسكريين من قبله: خطابات نارية افتتح بها عهده واعدا الشعب بأنه سيحوّل أوغندا إلى جنةٍ ويطعم شعبها العسل.

الطبيب بلع الطعم وصدّق الخطاب في بهجة ساذجة، وفي طريقه إلى مقر عمله، حدث حادث لموكب الرئيس، إذ اصطدمت سيارته ببقرة، وجاءوا يطلبون مساعدة الطبيب، الذي عاينه ولفّ يده، وفي الأثناء كان يحث الجنود على قتل البقرة المتألمة، فلما لم يسمعوا بادر إلى انتزاع بندقية أحدهم وتخليصها بطلق ناري. وهو ما أعجب عيدي أمين، فعرض عليه أن ينتقل معه إلى كمبالا العاصمة ليكون طبيبه الخاص.

هذه النقلة، تفتح له أبواب السياسة وأسرارها، وتفتح عينيه على أذرع أخطبوط الشركات الغربية وجشعها وسماسرتها، والمخابرات الأجنبية ومؤامراتها. كما تتيح له الدخول إلى مخادع زوجات أمين، الذي كان له عدة زوجات، و40 من الأبناء والبنات. ويصور الفيلم علاقة أقامها الطبيب مع إحداهن قادت إلى الحمل، ولا ندري مدى صدقية هذا الأمر، وكذلك أمور أخرى، إذ ينحو الفيلم نحو تصويره في شخصية هزلية تماما، تميل نحو السذاجة والغباء. وهو موقف سياسي يمثل الموقف الغربي من نظامه، لما عرف عنه من مواقف وسياسات، أهمها موقفه من «إسرائيل» واليهود الذين اعتبرهم يعملون ضد مصالح العالم كله.

الفيلم يصور جانبا من ذلك حين احتدم الخلاف معه، إذ أعلن نفسه ملكا لأسكتلندا وقاهر الإمبراطورية البريطانية في إفريقيا، إذ ذهبت الصحافة البريطانية (المستعمِرة السابقة) إلى وصفه بـ «آكل لحوم البشر»، ما أثار استياءه الشديد، وأشار هو إلى أنهم يريدون أن تبقى أوغندا بقرة يحلبونها.

كما انه في القمة الإفريقية التي عقدت في بلاده، تعمّد الجلوس على كرسي ضخم، وحمله أربعة بريطانيين على أكتافهم، في ردٍ على سنوات استعباد الرجل الأبيض الذي كان يحمله الأفارقة على أكتافهم عبر الأدغال، وهي رسالةٌ ما كان لها أن تمر من دون تربّص وعقاب، وخصوصا من ابن جندي عمل في قاعدة عسكرية بريطانية فترة الاستعمار وتربى فيها، وانتهى ابنه للاستيلاء على الحكم في انقلاب. بل إن كاتبا غربيا ذهب إلى آخر شوط من الكراهية بقوله إن «أمين ارتفع من مجرد طبّاخ للكتيبة البريطانية في إفريقيا إلى قائد جيش»، وهو ما كان ليصدر حتما لو ظل كلب حراسة للمصالح البريطانية.

جانب آخر مثير للجدل في سياساته، هو ما اتخذه من خطوات لتهجير آلاف الآسيويين، الذين كانوا يمسكون بعصب الاقتصاد الأوغندي، ما أثار عليه الرأي العام العالمي.

الفيلم نجح في تقديم صورة قريبة من عيدي أمين، بجسمه الضخم، ومواقفه المضحكة ومقالبه وتقلباته، وإن كان يبدو لي أن المكياج لم يفلح في تقديم بشرته التي كانت أكثر سوادا في الحقيقة إلى درجة اللمعان، على رغم أن فوريست وايتيكر أدى دوره ممثل زنجي.

كما يقدّم تفاصيل ما تعرض له من محاولات اغتيال على يد مناوئيه المدعومين من جارته تنزانيا، ما يدفعه إلى استخدام مزيدٍ من القمع والقتل وإطلاق يد أجهزة مخابراته للتخلص منهم. وهي سياسة تنتهي دائما إلى مزيد من الكوارث والمعاناة، حتى قدّر الإعلام الغربي ضحاياه بـ 400 ألف.

المفصل الأخير في الفيلم يصوّر اختطاف طائرة إسرائيلية على يد مجموعة من الفلسطينيين، وتهبط في مطار عنتيبي، ويحاول أن يتوسط لحل الأزمة فيطلق مجموعة منهم، يكون من بينهم طبيبه الخاص الذي أفلح في الهرب بعد أن شكّ أمين في اتصالاته بالمخابرات الغربية وتورطه في محاولة التخلص منه، فانتهى إلى أقبية التعذيب، إذ تم تعليقه بخطافات من ثدييه، حتى أنقذه طبيب أوغندي. وفي المقابل قامت «إسرائيل» بعملية اقتحام لتخليص البقية فأطلقت بعضهم وقتلت عددا آخر مع المختطفين.

الفيلم يقدم رؤية غربية لعيدي أمين، الذي لن يدافع عنه أحد لدكتاتوريته ومظالمه، ولكن يجب أن لا ننسى السياق التاريخي الذي وقع فيه صراع المصالح والشركات، فقد أخذ الصراع بعدا داخليا بين المسلمين والمسيحيين، وهؤلاء كان يدعمهم الرئيس التنزاني يوليوس نيريري، الذي سبق أن خاطبه بمقاله اللاذع: «لو كان نيريري امرأة لتزوجته»! وانتهى الأمر بدخول قواته في أبريل/ نيسان 1980 لإسقاط نظام أمين، وهروبه إلى ليبيا، ومنها إلى السعودية حيث استقر حتى وفاته في العام 2003، عن 78 عاما.

نجل أمين ينتقد الفيلم

اتهم جعفر أمين دادا (ابن عيدي أمين) الفيلم، بتشويه صورة والده بالتركيز على الجوانب السلبية في فترة حكمه، وطالب بتشكيل لجنة محايدة للتحقق من الاتهامات التي وجهت لوالده ولاسيما تلك التي تتهمه بأنه حاكم دموي شاذ تسبب في قتل نصف مليون شخص.

ونقلت مجلة «لونوفال اوبزرفاتور» الفرنسية عن جعفر أمين انه لا يريد الدخول فى قتال مع أحد فيما نسب لوالده من اتهامات أظهرها الفيلم بشكل مبالغ فيه لكنه يريد فقط أن يظهر الوجه الآخر الإيجابي لوالده.

واعتبر جعفر أن الممثل وايتيكر نجح إلى حد كبير في تقليد والده في طول خطواته وتمايل ذراعيه عند المشي لكونه عريض المنكبين مثل والده، غير أنه فشل في تقليد طريقة مشيه.

ويبلغ جعفر 40 عاما، وهو العاشر من أولاد عيدي أمين الأربعين، وفضلت أسرته التزام الصمت على مدى 20 عاما على ما يوجه إليه من اتهامات التي أرجعتها إلى كراهية «إسرائيل» والدول الاستعمارية وخصوصا بريطانيا له. وقد أطلق على نفسه فى أوج حكمه «صاحب السيادة فاتح الإمبراطورية البريطانية الحاج المارشال الدكتور عيدى أمين»!

«عيدي أمين دادا»

- حكم أوغندا منذ عام 1971 بعد أن طرد الرئيس ميلتون أوبوتي.

- تفيد تقديرات أن ما بين 100 و300 ألف أوغندي قتلوا أو فقدوا خلال رئاسته.

- عندما كان في السلطة كان يلقب بـ»فخامة هازم الإمبراطورية البريطانية الحاج الماريشال الدكتور عيدي أمين دادا رئيس الجمهورية الأوغندية مدى الحياة والقائد الأعلى للقوات المسلحة ورئيس مجلس الشرطة والسجون»!

- طرده متمردو الجبهة الوطنية لتحرير أوغندا والجيش التنزاني في 11 أبريل / نيسان 1979.

- توفي في أغسطس/ آب في السعودية، إذ عاش في المنفى لـ 20 عاما.

العدد 1644 - الخميس 08 مارس 2007م الموافق 18 صفر 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 9:19 م

      الاسم مسلم

      فعلاً اذ قتل نصف مليون شخص فهذا خرج عن الدين الاسلامي وديماً الرحمه فى قلب المسلم

اقرأ ايضاً