العدد 1657 - الثلثاء 20 مارس 2007م الموافق 01 ربيع الاول 1428هـ

«الشرق الأوسط» بعد مرحلة شيراك

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

اقترب موعد مغادرة الرئيس الفرنسي جاك شيراك قصر الاليزيه. فالجولة الأولى للانتخابات الرئاسية ستعقد في 22 ابريل/ نيسان المقبل وستشهد مواجهة بين ثلاثة مترشحين: الأول يمثل اليمين والثاني الوسط والثالث اليسار. وحتى الآن تشير مختلف استطلاعات الرأي إلى احتمال فوز مرشح الطبعة الفرانكفونية لتيار «المحافظين الجدد» في أوروبا. وإذا ترجح مثل هذا الاحتمال فمعنى ذلك أن فرنسا ستدخل دائرة مغايرة لتلك الفترة التي أدارها الرئيس شيراك.

التغيير لن يحصل فجأة أو دفعة واحدة. فهذا النوع من الانقلابات السياسية لا يحصل عادة في دول تقودها مؤسسات دستورية ثابتة. ولكن احتمال حصول التعديل في توجهات الرئاسة مسألة مطروحة بقوة وقد تأخذ فترة ثلاثة أشهر لظهورها في ميدان السياسة الدولية.

فترة الأشهر الثلاثة أو المئة يوم الأولى من ولاية الرئيس الجديد تنتهي نظريا في يوليو/ تموز المقبل. وتعتبر هذه الفترة حرجة دوليا ومهمة سياسيا في منطقة «الشرق الأوسط». فالمنطقة ستشهد في الشهور الأربعة المقبلة سلسلة تجاذبات لملفات ساخنة تمتد من إيران إلى فلسطين.

في إيران يرجح أن تكون صورة الموقف الدولي من الملف النووي قد ارتسمت معالمها على الأرض في اعتبار أن دول مجلس الأمن الكبرى تداعت إلى عقد جلسة لمناقشة العقوبات الإضافية بحضور الرئيس محمود أحمدي نجاد.

في العراق يرجح أن تكون صورة الموقف الأميركي من ملف الخطة الأمنية وموضوع الاحتلال ومسألة جدولة الانسحاب أو التجميع قد شارفت على الوضوح. فالرئيس جورج بوش مطالب خلال فترة الشهور الأربعة المقبلة أن يرسم معالم طريق واشنطن في المنطقة ويحدد بوضوح برنامجه للفترة المقبلة.

في لبنان يرجح أن تكون صورة الاشتباك الأهلي قد استقرت على خريطة واضحة المعالم نسبيا بعد تداخل مجموعة ملفات في ساحات هذا البلد الصغير. فهذا البلد مطالب بكشف حسابات معقدة تتصل بأمن «إسرائيل» والقرار 1701 وأمن سورية (المحكمة ذات الطابع الدولي) وربما أمن إيران (تداعيات الملف النووي وامتدادته). ويرجح في هذا السياق أن يشهد لبنان سلسلة تجاذبات إقليمية ودولية باردة وساخنة لأن أرضه تحولت إلى ساحة مفتوحة ومكشوفة على مختلف الميادين تبدأ باستقرار العراق ومنطقة الخليج وتنتهي باستقرار حكومة الوحدة الفلسطينية ومدى نجاحها في كسب التعاطف الدولي وكسر ذاك الحصار المفروض على السلطة والشعب.

في فلسطين يرجح أن تكون المئة يوم المقبلة فترة اختبار سياسية ميدانية ترتسم على ضفافها المواقف الدولية سواء على مستوى تعديل السياسة الأوروبية المدعومة من روسيا والصين أو على مستوى استمرار الولايات المتحدة في سياسة التقويض واستكمال العبث بأمن المنطقة واستقرارها.

الصور الإقليمية

كل هذه الصور الإقليمية يرجح أن تتوضح معالم حدودها وخطوطها في الأشهر الثلاثة أو الأربعة المقبلة من دون أن يعني الأمر أنها ستشهد التوافقات والحلول النهائية. فكل الأزمات معقدة ومتداخلة وتحتاج إلى آليات كثيرة لفك شبكاتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. إلا أن الفترة المقبلة مهمة وخصوصا أن واشنطن بدأت تتوجه نحو القبول بمشاركة القوى الإقليمية المجاورة للعراق والاعتراف بدورها في ضبط الملف الأمني وتسهيل مهمات دخول أو انسحاب قوات الاحتلال من بلاد الرافدين. كذلك هناك توجهات أميركية معقولة بدأت تقبل بالعودة إلى «اللجنة الرباعية» لبحث المسألة الفلسطينية ومستجداتها بالتفاهم مع مصر والسعودية بعد فترة تعطيل لها.

الولايات المتحدة الآن تتحرك على أكثر من جبهة إقليمية فهي لا تمانع أن تلعب الرياض ذاك الدور الخاص في الملفات الساخنة من فلسطين ولبنان إلى العراق وإيران وهي ملفات يرجح أن تكون على رأس جدول أعمال القمة في نهاية الشهر الجاري. وهي أيضا لا تمانع في أن تلعب سورية ذاك الدور المحكوم بالسقف الدولي في لبنان والعراق وفلسطين. كذلك بدأت واشنطن تفتح نافذة حوار مدروس مع طهران لمعالجة مجموعة ملفات إقليمية مقابل وقف مشروع التخصيب.

التحركات الأميركية حتى الآن غير واضحة أو غير ناضجة. فواشنطن تجس النبض وتبحث عن مخارج أو مداخل للازمات من خلال الاعتراف بوجود دور للقوى الإقليمية. وهذا التطور يعتبر نقطة جديدة في السياسة الأميركية التي احتكرت في السنوات الست الماضية كل الملفات وألغت ادوار القوى الدولية والإقليمية في المساعدة أو حتى المشاورة.

هذا التعديل الطفيف في السلوك الأميركي يأتي عشية بدء التغيير في السلطة الرئاسية في فرنسا. وفي حال حصل ما يشبه التغيير الدراماتيكي في قصر الاليزيه في باريس وجاء إلى الرئاسة تيار «المحافظين الجدد» وهو بمثابة ابن عم التيار نفسه الذي ينتمي إليه الرئيس بوش، فمعنى ذلك تكون واشنطن تخلصت من صديق مزعج يتمثل في شيراك واستبدلته بحليف سهل يمكن التفاهم معه على الكثير من القضايا الحارة.

الرئيس شيراك يرفض استخدام دبلوماسية القوة في التعامل مع الملف النووي الإيراني. وهو ضد الحرب على العراق ويعارض احتلاله ولكنه أيضا يعارض تقسيمه وتفكيكه إلى فيديراليات مناطق وطوائف. وشيراك ضد استخدام لبنان ساحة للصراعات والمساومات وتقاسم النفوذ كما كان في العقود الثلاثة الماضية، ويرفض أيضا التلاعب بملف «المحكمة الدولية» وبعثرة أوراقه وتشتيتها مقابل ضمانات أمنية لحدود «إسرائيل». وشيراك أيضا لا يؤيد سياسات تل أبيب في مختلف النقاط من دون نقاش أو تعديل، وهو يميل أحيانا إلى ترجيح كفة السلطة الفلسطينية وما كسبته من نقاط خلال فترة ياسر عرفات الماضية.

هذه السياسة الشيراكية تنتظر واشنطن خروجها من قصر الاليزيه لتأخذ إدارة بوش مسافة زمنية منها تمهيدا لإعادة صوغها في تفاهمات جديدة مع الرئيس الفرنسي الجديد. وإذا جاءت الانتخابات لمصلحة تيار «المحافظين الجدد» في طبعته الفرانكوفونية فمعنى ذلك أن «البيت الأبيض» سيتجه بسرعة إلى هيكلة استراتيجيته وفق ترتيبات تختلف في أولوياتها عن الفترة السابقة. فالمترشح اليميني معادٍ للعرب ويميل تقليديا إلى تأييد تل أبيب وهذا التحول في حال تحقق يعتبر فرصة لإدارة بوش لإعادة إنعاش توجهاتها الهجومية بدءا من إيران وانتهاء في فلسطين.

التعديلات لن تحصل بسرعة وسهولة، ولكن إهمالها وعدم التعاطي معها بجدية سيفتح الكثير من الأبواب المغلقة أمام الدول العربية وخصوصا تلك التي تطمح للبدء في لعب دور إقليمي على مسرح «الشرق الأوسط».

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1657 - الثلثاء 20 مارس 2007م الموافق 01 ربيع الاول 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً