العدد 1707 - الأربعاء 09 مايو 2007م الموافق 21 ربيع الثاني 1428هـ

بوش بين تشيني ورايس

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

جولة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني التي بدأت أمس الأول على بعض دول المنطقة العربية بتكليف مباشر من الرئيس جورج بوش تكشف عن وجود تعارضات في توجهات إدارة واشنطن. فالجولة أعلن عنها في نهاية لقاءات قمة شرم الشيخ التي شهدت اتصالات وحوارات وإشارات بين وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس والوفود المشاركة وتحديدا سورية وإيران. وبغض النظر عن النتائج المباشرة والمحسوسة لتلك الاجتماعات والنظرات تعاملت القوى المعنية بمشكلات المنطقة بنوع من الانتباه إذ وجدت فيها بداية تغيير في منهج اتبعته واشنطن خلال السنوات الست الماضية. وهناك من رأى في تلك اللقاءات خطوة في اتجاه التصالح مع اقتراحات وتوصيات وردت في تقرير «بيكر - هاملتون» بشأن الحرب على العراق.

إلا أن اللافت للنظر هو مسارعة بوش إلى تكليف نائبه القيام بالجولة «الشرق الأوسطية» في نهاية القمة بدلا من وزيرة خارجيته التي ظهرت وكأنها خارج سياق آخر تتحرك من ضمنه الإدارة الأميركية. فالجولة التي يقوم بها الآن تشيني هي من واجبات الخارجية وكان على الرئيس الأميركي تكليف رايس القيام بها نظرا إلى ارتباطها بأزمات المنطقة ولا يخرج جدول أعمالها عن تلك الملفات التي بحثت في شرم الشيخ.

جولة تشيني إذا يجب أن تراجع حيثياتها في سياقين متعارضين أو متوازيين. أولا أنها تكشف عن وجود سياستين أميركيتين في التعاطي مع الملفات الساخنة في المنطقة واحدة تديرها رايس في إطار دبلوماسية الاحتواء وثانية يديرها تشيني في سياق دبلوماسية البوارج.

ثانيا أنها تؤشر على أن الرئيس الأميركي لا يزال غير حاسم في خياراته السياسية بين فريق في إدارته يضغط باتجاه التعديل وتغيير مجرى الرياح وفريق آخر يصر على مواصلة سياسة التقويض التي اتبعها في السنوات الماضية معتمدا أسلوب «العسكرة» والتخويف واستنفار قوى المنطقة وزجها في تحالفات دوليه تزعزع في النهاية استقرارها لمصلحة أمن «إسرائيل» والنفط.

تشيني يعتبر من طاقم بوش الأب وهو تبوأ وزارة الدفاع في عهده وخلال فترة حرب الخليج الثانية. كذلك يعتبر آخر رعيل تيار «المحافظين الجدد» الذي تساقطت وجوهه خلال السنة الأخيرة واستمر نائب الرئيس في منصبه ليشكل قوة موازية وأحيانا منافسة لموقع الخارجية ودور رايس في صوغ توجهاتها.

تكليف بوش تشيني وليس رايس القيام بالجولة الأخيرة يؤشر على احتمالين: الأول عودة الخلافات إلى الإدارة الأميركية بين فريق تشيني وفريق رايس بعد هدوء نسبي فرضته نتائج انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

الثاني عودة بوش إلى الرهان على خيار القوة بعد صمت جزئي جاء في ضوء تقرير «بيكر - هاملتون» والضغوط التي مارسها الحزب الديمقراطي على الإدارة مستفيدا من سيطرته على غالبية مقاعد الكونغرس.

فرضيات

هذان الاحتمالان يطرحان مجموعة فرضيات تحتاج إلى قراءة منها أن بوش توصل إلى قناعة بأن رايس غير قادرة على مواصلة سياسة الدبلوماسية وبالتالي لابد من إعادة إظهار الوجه البشع للإدارة. ومنها أيضا أن بوش أراد توجيه رسالة داخلية إلى رايس تشير إلى احتمال الاستغناء عن خدماتها لمصلحة فريق متجانس أكثر مع توجهات مكتب تشيني المتشددة في تعاملها مع أزمات المنطقة.

الازدواجية في توجهات بوش الخارجية ليست جديدة. فهي كانت موجودة في عهد كولن باول العقلاني نسبيا الذي تعرض لضغوط ومزايدات من فريق وزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد والمستشارة آنذاك رايس ومكتب تشيني. وأدت المشاحنات إلى إخراج باول من الخارجية وتكليف رايس بالمنصب. إلا أن الوزيرة تعرضت بدورها إلى ضغوط الثنائي تشيني - رامسفيلد ولم تستقر الأمور نسبيا إلا بعد استقالة وزير الدفاع بعد خسارة الحزب الجمهوري انتخابات الكونغرس.

تشيني الآن هو الطرف الأقوى في معادلة التوازن بين الدبلوماسية الواقعية وتيار «المحافظين الجدد». ولذلك يشكل تكليفه بهذه الجولة «الشرق الأوسطية» ضربة غير مباشرة لتوجهات رايس التي خرجت من قمة شرم الشيخ بنتائج غير مشجعة كما ذكرت كواليس الوفود المشاركة.

تشيني إذا في المنطقة يقوم بجولة هي أصلا من مهمات أو صلاحيات الخارجية، وهذا يعني أنه يحمل في حقيبته الدبلوماسية الملفات نفسها ولكن في سياق قراءة مختلفة أو غير متجانسة مع منهجية رايس في التعامل مع الأزمات. فما هي العناوين التي يريد تشيني نقلها إلى زعماء المنطقة بعيدا عن رقابة الخارجية الأميركية ومسئولياتها المباشرة؟

إذا افترضنا جدلا أن رايس تبحث عن تسوية سلمية (مفاوضات دائمة) للملف النووي الإيراني فإن تشيني يفترض أنه ليس قريبا من مزاج تلك التسوية التي تقضي بالتفاهم مع طهران وتقديم تنازلات لها في العراق. الفرضية الأولى تفتح الباب على فرضية ثانية وهي احتمال وجود اختلاف في التعامل مع موضوع العراق. فإذا كانت رايس تميل إلى اعتماد توصيات «بيكر - هاملتون» التي تقترح الحوار مع دول الجوار وتحديدا إيران وسورية بشأن تداعيات كارثة بلاد الرافدين فلابد أن يكون تشيني يحمل توجهات مخالفة وإلا فما معنى تكليفه بالمهمة التي بدأت بزيارة بغداد محطة أولى لجولته.

على أساس هذه الفرضيات يمكن قراءة جولة تشيني في سياق مضاد أو على الأقل غير منسجم مع اتصالات ولقاءات رايس في شرم الشيخ. فالرئيس الأميركي لو كان موافقا على توجهات وزيرة خارجيته بالكامل لما أقدم على تكليف نائبه بالمهمة «الشرق الأوسطية». كذلك تشير توجهات بوش إلى وجود خيارات متعددة لم تسقط من حساباتها استخدام القوة وهذا ما أشارت إليه رايس في تصريح لها أطلقته عشية بدء تشيني جولته.

جولة تشيني في المنطقة ليست بريئة، فهي تأتي بعد شرم الشيخ وفي لحظة أمنية أعلنت فيها واشنطن عن اكتشاف خلية مؤلفة من «ستة إسلاميين» كانت تخطط للهجوم بأسلحة رشاشة على قاعدة عسكرية في الولايات المتحدة. واكتشاف الخلية عشية الجولة تؤشر إلى وجود توجهات تذكر الرأي العام ودافع الضرائب الأميركي بأن المخاطر الخارجية على الأمن القومي لم تتراجع ويحتمل أن تعود كما كان أمرها قبل 11 سبتمبر/ أيلول 2001. وتصريح رايس عن أن بوش لم يسقط خيار القوة من حساباته في وقت تستعد للتوجه إلى موسكو في منتصف الشهر الجاري يعزز تلك المخاوف عن احتمال عودة تشيني إلى لعب دوره الخاص في صوغ توجهات بوش الخارجية.

تكليف الرئيس نائبه بالجولة الأخيرة يحمل إشارات متضاربة داخلية (تجاوز صلاحيات وزيرة الخارجية) وخارجية (التذكير بوجود بدائل جاهزة). كذلك قد تكون جولة تشيني هي الأخيرة له في سياق تدخلاته الموسمية في رسم خطوط الاستراتيجية الأميركية. فتشيني يمكن أن يكون حمل معه إلى المنطقة أسئلة حارة تلح على القوى الإقليمية تقديم جواب واضح على السياسة الخارجية: أنا أم رايس.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1707 - الأربعاء 09 مايو 2007م الموافق 21 ربيع الثاني 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً