العدد 1748 - الثلثاء 19 يونيو 2007م الموافق 03 جمادى الآخرة 1428هـ

بوش وأولمرت... واختلاف الأولويات (2)

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

أمس التقى أولمرت صديقه بوش في واشنطن وسط استعدادات أميركية - إسرائيلية لمناقشة جدول الأعمال وترتيب الأولويات في وقت استكمل «الأشاوس» سياسة الانقلاب على الأولويات. فأين تتقاطع الأولويات الإسرائيلية بالأولويات الأميركية؟ وأين تتعارض؟

في الملف النووي الإيراني تبدو الأمور متجهة نحو التفاهم على سياسة متطابقة وهي رفع درجة العقوبات مع الاحتفاظ بالخيار العسكري. وهذا التطابق لا يعني عدم وجود هواجس أمنية إسرائيلية مفتعلة تضغط باتجاه استخدام القوة. ولكن الخيار العسكري يخضع بدوره إلى مدى استعداد الإدارة الأميركية للدخول في مغامرة لاتزال قيد التداول بين وزيرة الخارجية ونائب الرئيس الأميركي. ويرجح أن تغلّب أميركا خيارها الأخير في حال انتهى الخلاف داخل الإدارة وحُسِمَ لمصلحة تفاهم الاتجاهين.

الملف الإيراني بدأت الإدارة الأميركية ربطه بالملف العراقي. فالملف الأول تتعامل معه واشنطن بصفته مشكلة دولية لها انعكاساتها الإقليمية على حين لاتزال إدارة بوش تضع الأولوية للملف الثاني بصفته مشكلة أميركية لها انعكاساتها على مصالح الولايات المتحدة وسمعتها الدولية وأمنها القومي المحكوم بالهاجس الإسرائيلي.

الأولوية الأميركية للعراق والأولوية الإسرائيلية لإيران ليس لأن طهران تخطط «سرا» لبناء مفاعل نووي يصنع قنابلَ كما تدعي وإنما أيضا لكون إيران باتت تمتلك روافدَ إقليمية ومتفرعاتٍ عابرة لحدودها الجغرافية وصولا إلى سورية ولبنان وأخيرا غزة. تل أبيب تربط هواجسها الأمنية بمجموعة ملفات أخرى تقع على حدودها الجغرافية، وهذا ما يضغط عليها ويضعها في موقع المستعد لمنع انفلات منصات الصواريخ على أراضيها في حال لم تتوصل إلى ترتيبات استراتيجية مع أميركا لضمان أمنها في المستقبل. وبسبب هذا الربط الإسرائيلي المفتعل للملفات تصبح الأولويات عندها أمنية مباشرة على حين هي في المعيار الأميركي تخضع إلى ترتيبات استراتيجية عامة تتصل بالمصالح الكبرى في «الشرق الأوسط».

هذا الاختلاف الأميركي - الإسرائيلي لا يعطل على الطرفين إمكانات التفاهم على تقاطعات ثنائية. الملف السوري مثلا لا يحتل أولوية أمنية عند الطرفين مادامت دمشق مستعدة للتفاوض والتفاهم وتبادل المعلومات وعدم فتح ملف الجولان. وربما يشكل هذا الأمر نقطة عبور جغرافية أميركية - إسرائيلية لتجاوز المسألة السورية والتعامل معها وكأنها موضوع قابل للحوار في المستقبل وتأتي أهميته بعد لبنان وغزة.

الملف السوري إذا لا يحتل أولوية إسرائيلية أو أميركية في الوقت الراهن في اعتبار أن دمشق غير مستعدة عسكريا وغير قادرة على تحريك ملف الجولان كذلك يشكل نظامها في المعادلة الإقليمية ضمانة أمنية للاستقرار. وفي حال توافقت تل أبيب وواشنطن على تثبيت المعادلة السورية والاكتفاء بالضغط عليها وعدم الذهاب نحو تغييرها، ليس حبا بالنظام وإنما خوفا من الآتي، تصبح الملفات الأخرى اللبنانية والفلسطينية هي الأكثر سخونة.

في الملف اللبناني لاتزال تل أبيب عند أولوياتها التي تنص على ضمان أمن حدودها ومنع تحويل أراضي هذا البلد إلى حقل تجارب للأسلحة أو ساحة مفتوحة للآخرين. وحادث إطلاق الصواريخ على شمال فلسطين الذي افتعل أمس الأول عشية لقاء أولمرت - بوش يعطي صورة عن سياسة أمنية تريد تل أبيب من واشنطن مساعدتها على حلها. وحادث إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان الذي اتهمت به «القاعدة» قبل إجراء التحقيق في الموضوع واعتقال الفاعلين لا يمكن فصله في المنظار الإسرائيلي عن ذاك الانقلاب العسكري الذي نجحت «حماس» في تنفيذه في غزة. فأولمرت ربط بين المتغيرين ورأى أن ما حصل في غزة وما جرى في جنوب لبنان يشكلان مظاهر متحولات أمنية تتطلب من واشنطن المساعدة على الحد من تطورها. فالعقل الأمني الإسرائيلي يرى أن بعض لبنان يشكل قواعد عمل للنشاط الإيراني وتنظيم «القاعدة» من ضمنه، كذلك بات يرى الآن أن بعض فلسطين (غزة) تحوّل بدوره إلى قاعدة عمل للنشاط الإيراني يشبه ذاك الذي يقع على حدودها الشمالية.

هناك إذا قنوات اتصال أمنية تربط بين الملفات كما تتصوّر «إسرائيل». والقنوات المذكورة تسهل على واشنطن وتل أبيب إجراء ترتيبات تجمع النقاط المشتركة في مشروع أولويات يتقاطع في الكثير من المفاصل. فإذا توافقت الآراء الأميركية - الإسرائيلية على النظر إلى إيران بصفتها دولة ذات امتدادات إقليمية تبدأ في بغداد وتمر ببيروت وتستقر في غزة، فمعنى ذلك أن الأولويات ستصبح كلها في دائرة واحدة يربطها ذاك «الخيط السري» من طهران إلى القطاع. أما إذا تعارضت الآراء في رؤية المصادر والروافد فمعنى ذلك أن تل أبيب مضطرة إلى القبول بالاستراتيجية الأميركية العامة في «الشرق الأوسط» والتعايش مع القلق الأمني الذي يتمظهر أحيانا في مشاهد إطلاق صواريخ متقطعة على حدودها الشمالية أو الجنوبية.

الهواجس الإسرائيلية المفتعلة لن تكون هذه المرة على رأس جدول الأولويات الاستراتيجية الأميركية التي راجعها أولمرت أمس مع بوش في واشنطن، ولكنها أيضا لن تكون بعيدة عن تلك الأولويات. فالمشروع واحد وإن اختلفت أولوياته بين تل أبيب التي تضع غزة ولبنان على سكة واحدة مع الملف النووي الإيراني وبين واشنطن التي تضع العراق على رأس قائمة أولوياتها لتأتي طهران في سياق استراتيجية كبرى تتضمن ملفاتٍ إقليمية أخرى تمتد من العراق إلى لبنان وغزة. فالاختلاف بين الرؤيتين أن تل أبيب تبدأ من القريب والصغير على حين واشنطن تبدأ من البعيد والكبير. وهذا الاختلاف في منهج ترتيب الأولويات لا يعني أن الثوابت تغيّرت. فالثوابت لاتزال مستقرة وعلى ما كانت عليه في حين يشهد الجانب المقابل ما يشبه الانقلاب على الأولويات.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 1748 - الثلثاء 19 يونيو 2007م الموافق 03 جمادى الآخرة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً