الليلة الأخيرة... مهابة التشييع

الوسط - قاسم حسين 

12 ديسمبر 2007

لن ينسى هذا الجيل الليلة الأخيرة للشيخ الجمري على الأرض، فبعدها سيكون الفراق. فهل لذلك السبب أصرّ الآلاف على الحضور من شتى أطراف الوطن ليشهدوا مراسم الوداع الأخير؟

انتشر الخبر منذ الصباح، ولكن مراسم التشييع لم تبدأ إلاّ بعد صلاة المغرب. تحرّك «الباص» ليحمل عددا من المرافقين، فقد تقرر انطلاق موكب التشييع من دوار القدم، ليتسنّى لأكبر عددٍ من الجمهور المشاركة في الوداع الأخير. فهذا الرجل لم يفعل أكثر من مواساة الناس بنفسه وأهله يوم حاقت بالبلد المخاطر والكروب.

كان الجو قارسا جدا، شديد البرودة، وسارت الجموع النائحة تردّد مواويل الأحزان التي تشربت قلوبها بها طويلا. كان الكثيرون يلبسون السواد حدادا، ويرفعون الأعلام السوداء، وكنت تلحظ الحزن التلقائي المرتسم على الوجوه.

لعلّ ما يصعب نسيانه في تلك الليلة الباردة، منظر بعض النسوة النائحات، كأنهن فقدن أباهن. ومنظر الرجال الطاعنين في السن وهم يغالبون الدموع.

أول من تحرّك أهالي سترة، إذ قصدوا المنامة، ومنها إلى النعيم، مرورا بالسنابس وجدحفص، ومع أذان المغرب أقاموا الصلاة جماعة في الشارع العام. وعند القدم كان الالتقاء ببقية الوفود. من هنا سينطلق الجميع محيطين بالنعش، في أكبر جنازة يشهدها تاريخ البحرين الحديث.

المعزّون يومها لم يخفوا مشاعرهم، بعضهم اعتبر رحيل الشيخ خسارة كبيرة للشعب بأكمله، فهو لم يقصّر تجاه مطالب المواطنين، ومن الصعب أن يعوض مثل هذا الرجل الذي يشعر الكثيرون أنه أبوهم الحنون. آخر تكلم عنه باعتباره شيخا مجاهدا، وتنبأ بأن يكون لفقدانه أثره البالغ على العملية السياسية في البحرين.

كلّ من تكلّمه في تلك الليلة سيحدّثك عمّا قدّمه الشيخ الراحل من تضحيات كثيرة وكبيرة، في سبيل حقوق الشعب، وأنّ مشاركته الليلة إنما هي لتقديم واجب العزاء، في وداع الشيخ الذي كافح من أجل حقوق المواطن. ولن تعدم سماع كلمات تنبض بالأسى والحب العميق: «إن فقداننا كأي حبيب يفقد حبيبه».

أسى من التاريخ

ولعلّ ما يزيد من عمق هذه الرابطة القلبية وبقائها في الصدور، الاسترجاع اللاواعي لما جرى في السجون، من ذكريات ومعاناة وإيذاء، انتهت به إلى أن يصبح في أخريات أيامه طريح الفراش. ولعلّ الله قدّر أن يكون العنوان الأبرز لما كان يمارس من قهرٍ وإذلالٍ في حقبة «قانون أمن الدولة» المظلمة.

وُلد الشيخ في بني جمرة في 1937، وما بين المولد والرحيل، سبعون عاما قضاها بين الدراسة والتدريس والعمل بالقضاء والخطابة والإرشاد.

قصة حياة عاشها كثير من جيل الآباء الذين شقوا دربهم في الحياة بالجهد والجد والكفاح. يبدأ أجيرا في سوق المنامة لدى عدد من التجار، ويدرس على يد بعض علماء البحرين، ومنها إلى النجف الأشرف بالعراق في 1962، ليعود بعد عشر سنين والبلد تتهيأ لتجربة جديدة من الحياة السياسية التي تعثرت بعد أنْ قطعت بعض الخطوات على الطريق الصحيح.

ومن السياسة إلى القضاء، الذي اُخرج منه في 1988، ليعود مرة أخرى إلى السياسة من أوسع الأبواب: مطالب الناس، بعد أن وصل الوضع السياسي إلى طريق مسدود. وهكذا كان على رأس الموقّعين على العريضة النخبوية في العام 1992، للمطالبة بالحقوق الدستورية والبرلمانية. وبعدها العريضة الشعبية الخاصة في العام 1994.

بعد ستة أشهر، وتحديدا في مطلع أبريل/ نيسان 1995، تُحاصَر قريته، ويُقتَل اثنان من أبنائها ويجرح خمسون، ويفرض الحصار على منزل الشيخ لمدة أسبوعين، ثم يُنقل إلى المعتقل. وفي 25 سبتمبر/ أيلول، يُفرَج عنه بعد اتفاق مع السلطات الأمنية على إعادة الهدوء مقابل مناقشة المطالب والسعي إلى تحقيقها.

في يناير/ كانون الثاني 1996، يعاد اعتقاله، ويحتقن الوضع من جديد، ويودع في الحجز الانفرادي لأكثر من تسعة أشهر، وتُمنع عنه الزيارات إلا من زوجته وأبنائه، ويشدَّد حوله الحصار لينقطع عن العالم الخارجي.

بعد ثلاث سنوات ونصف السنة، يُقدَّم أمام محكمة أمن الدولة، وفي السابع من يوليو/ تموز 1999، تصدر المحكمة عليه بالسجن عشر سنوات ودفع غرامة 15 مليون دينار. وفي اليوم التالي يظهر على التلفزيون قُبيل الإفراج عنه بعفو، ليوضع تحت الإقامة الجبرية من جديد. وبعد أقل من عام، يصاب بجلطة في القلب لن تكون الأخيرة، وتجرى له عدة عمليات في البحرين والرياض وألمانيا، حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

عاش مع الناس

لم يكن الجمري فيلسوفا ولا صاحب نظريات، وإنما كان رجلا يعيش مع الناس ويتحسس آلامهم ومعاناتهم. عاش مع الشعب، وشارك في المطالبة بحقوقه، وتحمّل مسئولياته عند اشتداد البلاء.

في ليلة الدفن الشديدة البرودة، وبينما كنت أكمل كتابة المقال الذي سينشر في الصباح، وقعت بيدي بعض الصفحات بخط يده، وهالني ما ذكره فيها عن تشييع والده في يومٍ باردٍ شديد البرودة. نحن لا ندري كم كان حضور جنازة الأب، لكن المؤكد أنّ جنازة الابن كانت أكبر جنازة في تاريخ البحرين الحديث، قطع الآلاف خلالها عدة كيلومترات مشيا على الأقدام في ذلك البرد الشديد.

العدد 1923 - الأربعاء 12 ديسمبر 2007م الموافق 02 ذي الحجة 1428هـ

التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً