العدد 1949 - الأحد 06 يناير 2008م الموافق 27 ذي الحجة 1428هـ

دلالات الخطاب في مدينة يَزْد

محمد عبدالله محمد Mohd.Abdulla [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

من أراد أن يسمك ببوصلة السياسة الإيرانية فعليه أن يستمع لما يقوله المرشد الأعلى. فالمادة العاشرة بعد المئة من الدستور والتي تمثلت بشكلها الحالي عبر مفاعيل السياسة والدين تؤسس لما أقوله تحديدا، ربما يحتاج من يرد الإمساك بتلك البوصلة أن يُغربل كلام آية الله السيدعلي خامنئي لكنه بالتأكيد سيعلم في نهاياتها إلى أين إيران تسير.

ففي زيارته إلى مدينة يزد (جنوب شرقي أصفهان على أطراف صحراء الملح) تحدث المرشد الأعلى للثورة الإسلامية عن مواضيع عدة بعضها داخلي وآخر خارجي يمكن من خلالها معرفة السكة التي تسير عليها الجمهورية الإسلامية في هذه المرحلة على أقل تقدير، ففي الشأن الداخلي كان الحديث متعلقا بالانتخابات التشريعية الثامنة التي ستُجرى في 14 مارس/ آذار المقبل، ولأن النصيحة التي قدمها أفادت بضرورة انتخاب أفضل المترشحين من حيث «الإيمان والإخلاص والأمانة والتدين والجهوزية للتواجد في ساحات الثورة»، فإن الأمر يعني أن ما قام به مجلس صيانة الدستور خلال الانتخابات التشريعية السابقة (2004) عندما رفض 2394 طلبا للترشح ستستمر هذه المرة أيضا ولكن بشكل آخر، فالإصلاحيون مُنقسمون على أنفسهم بعد خروج الشيخ مهدي كروبي من «روحانيون مبارز» وتشكيله لحزب الاعتماد الوطني، وبالتالي فإن مجلس صيانة الدستور سينفرد بأهلية مترشحي جبهة المشاركة ومجاهدي الثورة الإسلامية، وسيُعوّض ذلك بالتساهل مع مترشحي باقي القوى الإصلاحية الأخرى كـ «روحانيون» وكوادر البناء والاعتماد الوطني.

وربما يكون السبب الذي دفع بالمرشد الأعلى لأن يوجِّه رسالة للمؤسسة الرقابية وأيضا للمترشحين هو الظروف الإقليمية والدولية التي بدت متوترة بشكل متصاعد، وخصوصا زيادة الرئيس الأميركي جورج بوش من موازنة العمل الاستخباراتي السري ضد إيران من عشرين مليون دولار إلى ستة وثمانين مليون دولار، وهو ما يعني أن مجيء مجلس نيابي لا يُؤمن بالسياسات التي تتبناها الحكومة التاسعة اليوم (على الأقل في المستوى الخارجي) هو أمر في غير صالح الخطة العشرينية وآليات تسييرها والتي تتطلب ظروفا أكثر هدوءا في الجبهة الداخلية.

في موضوع داخلي آخر، أبدى المرشد ارتياحه للجولات التي تقوم بها الحكومة الإيرانية على المحافظات، معتبرا «أن الثقة المتبادلة بين الشعب والمسئولين هي ثقة معمقة» وهو دعم واضح للرئيس محمود أحمدي نجاد ينبع من ثلاثة دفوع أساسية، الأول أن نجاد واجه انتقادات واسعة من داخل تيار اليمين المحافظ التقليدي فضلا عن الإصلاحي في جوانب تنفيذية متعددة بعضها متصل بالسياسية الخارجية والآخر متصل بالسياسة الاقتصادية للحكومة وبارتفاع الأسعار والتضخم في ظل ارتفاع أسعار النفط، والثاني يتعلق بإيجاد التوازن اللازم بين الحكومة والاستقطاعات السياسية التي طالتها منذ تفويض المرشد للشيخ هاشمي رفسنجاني العمل ببعض بنود المادة 110 من الدستور ومرورا بالصلاحيات التي أضيفت لعمل مستشار المرشد الأعلى للشئون الدولية علي أكبر ولايتي لتعيين سفراء فوق العادة في بعض الدول، وانتهاء بالمهمات الجديدة في السياسة الخارجية لكبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي الإيراني السابق وممثل المرشد في المجلس الأعلى للأمن القومي حاليا علي لاريجاني والتي بدأت بإشراف النَّظَارَة على بعض علاقات إيران الخارجية في محيطها الجغرافي القريب (مصر وسورية مثالا).

في الشأن الخارجي رمى المرشد الأعلى ببالون «مد يد + اختبار»، عندما قال إن «العلاقات الدبلوماسية بين طهران وواشنطن لا يجب أن تظل مقطوعة للأبد، ويوم تكون العلاقة مع أميركا مفيدة للأمة سأكون أول من يقر هذه العلاقة، لكن اسئنافها في ظل الظروف الحالية سيضر بالأمن القومي الإيراني لأنه سيتيح الفرصة أمام عملاء الاستخبارات والجواسيس كي يأتوا ويذهبوا كيفا يريدون». وبطبيعة الحال فإن هذا التصريح لا يُمكن إلاّ أن يكون مقصودا ويحمل دلالات متعددة، فهو أولا يأتي متزامنا مع الانتخابات الحزبية الأميركية والتي بدأت في ولاية أيوا، حيث فوز باراك أوباما الذي كرر غير مرة تأييده إجراء محادثات مباشرة مع طهران في حال وصل إلى البيت الأبيض، ورسالة تالية للسناتور الأميركي هيلاري كلنتون التي هُزِمت أمام أوباما وتستعد لتعويض ذلك في انتخابات ولاية نيوهامبشر غدا (الثلثاء)، وربما تكون أيضا رسالة ثالثة لباقي المترشحين الذين يتطلعون لأن يتخففوا من الأعباء التي سيتركها لهم جورج بوش الابن من العراق إلى أفغانستان وأميركا وروسيا وإيران وأميركا اللاتينية.

ثانيا، أراد المُرشد الأعلى تمييع أي اعتراض أميركي على استحقاقات التعاون العسكري الإيراني الروسي والذي بدأ بعد تسليم موسكو لطهران أنظمة للدفاع الجوي من طراز «تور - إم 1» لحماية مجمع بوشهر النووي، فالجمهورية الإسلامية ترغب في تفعيل التفاهمات بينها وبين الروس بشأن منحها حق تجميع المروحيات العسكرية الروسية من طراز «ك 32»، وتزويد الجيش الإيراني بمقاتلات «ميج 29» و «سوخوي 30»، وأيضا تزويد المقاتلات الإيرانية بمحركات متطورة من طراز «آر دي 33» والحصول على صواريخ «إس - 300» القادرة على مواجهة الصواريخ المجنحة والباليستية وجميع الطائرات والمروحيات على مختلف الارتفاعات، ومقاومة التشويش.

وربما يدفع الإيرانيون بذلك وهم يستثمرون قلق الروس من تحوِّل حدودهم الجنوبية إلى بطن رخو أو أن تضعف أمام أي توترات إقليمية أو دولية، فهم مازالوا يُعالجون سياساتهم تجاه أوكرانيا وجورجيا ولا يريدون توطين مشكلات استراتيجية تؤثر على أمنهم القومي.

وثالثا، سعى خطاب المرشد إلى تمييع الموقف الأميركي والأوروبي واتجاهه نحو استصدار قرار ثالث من الأمم المتحدة لفرض مزيد من العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، مع حرص المرشد على استثمار تلك الدلالة برمي الكرة في الملعب الأميركي لا أكثر ولا أقل، فهو - وفي الجانب المتصل بها - رفض المطالبة بإيقاف تخصيب اليورانيوم بعد تسليم شحنتي الوقود الأولى والثانية لمفاعل بوشهر، قائلا: «إن هذا كمن يقول لدولة لديها احتياطيات نفطية هائلة إن عليها أن تحصل على ما تحتاجه من النفط من الخارج، وخصوصا أن هدف طهران من بناء المفاعلات النووية هو توليد عشرين ألف ميغاوات من الكهرباء خلال العقدين المقبلين»، مضيفا أن «الولايات المتحدة كانت في البداية ضد امتلاك إيران خمسة أجهزة للطرد المركزي، في حين لدينا الآن ثلاثة آلاف جهاز»، لكنه أيضا فتح الباب أمام إزاحة اليوتوبيات الدبلوماسية الإيرانية في حال تحققت «مصلحة الأمة» من عودة تلك العلاقات.

إقرأ أيضا لـ "محمد عبدالله محمد"

العدد 1949 - الأحد 06 يناير 2008م الموافق 27 ذي الحجة 1428هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً