العدد 2089 - الأحد 25 مايو 2008م الموافق 19 جمادى الأولى 1429هـ

عملية سلام ذات مصداقية

Common Ground comments [at] alwasatnews.com

خدمة Common Ground الإخبارية

عرضت حماس لتوها على «إسرائيل» هدنة مدّتها عشر سنوات. يشكّل ذلك فتحة يمكن أن تسمح لـ»إسرائيل» والولايات المتحدة البدء بإشراك حماس في العملية السلمية، إمّا مباشرة أو من خلال حلفاء عرب، لأنّ عزل حماس يُفشِل الأهداف السياسية لجميع الأطراف المشاركة حاليا.

محمود عباس هو الرئيس المنتخب للسلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية. ولكن لا يتوقع منه الوصول إلى تسوية سلمية دائمة ذات مصداقية مع الحكومة الإسرائيلية ما لم وحتى يؤمّن موافقة حماس ومباركتها.

تحافظ الحركة الإسلامية على دعم واسع في المناطق الفلسطينية المحتلة، وقد أثبتت مرة بعد أخرى أنها تملك القدرة الكافية لتخريب المفاوضات مع «إسرائيل». الخلاف في قطاع غزّة وعدم الاستقرار الأمني الناتج في المجتمعات الإسرائيلية المجاورة تدعم الادعاء بأن الإجماع الفلسطيني الوطني لا يمكن الاستغناء عنه في العملية السلمية.

المؤسف أنّ عملية الاستفادة من هذا الإجماع أخذت تزداد صعوبة. في الماضي، كانت الخلافات بين فتح وحماس، العمودين الرئيسيين في السياسة الفلسطينية، تعيش وتبقى وتترعرع على خلافاتهما الأيديولوجية. واليوم شوّهت الأفضليات المتنافسة للقوى الخارجية الدخيلة السياسة الفلسطينية وجعلت من الخلافات بين الفصائل أكثر صعوبة من حيث حلها.

لا يشكل قرار فتح التراجع عن موافقتها الرسمية على الاتفاقية اليمنية في أواخر مارس / آذار، والتي تشكل مقترح تسوية وطنية للفلسطينيين بدعم من الرئيس اليمني، سوى واحد من الأمثلة. قضت فتح وحماس أسابيع تتفاوض على شروط إعادة إحياء حكومة الوحدة الوطنية وإعادة سيطرة السلطة الفلسطينية على غزّة. بعد ساعات قليلة من توقيع المعاهدة من قبل ممثلين عن كلا الطرفين أعلن رسميون من فتح في رام الله أنه كان هناك «خلط» في الأمور وسحبوا بالتالي موافقتهم على المعاهدة. تبع إعلانهم هذا زيارة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني المختصرة إلى رام الله والتي قام خلالها بإيصال رسالة بأن الولايات المتحدة لن تدعم التسويات مع حماس ما لم تتغير الحركة الإسلامية بصورة أساسية. كذلك أعلنت «إسرائيل» عن معارضتها الشديدة للمعاهدة. وبصورة فظّة أخبر مسئول إسرائيلي صحيفة هآارتس أنه يمكن أنْ تكون لفتح «عملية سلمية وحوار مع «إسرائيل» أو تحالف مع حماس. و لكن الواضح أنه لا يمكن لها أنْ تحصل على الأمرينِ معا».

أثبتت تجربة السنة الماضية أنّ الضغط العسكري والاقتصادي لا يستطيع إكراه حماس على التوقف عن قصف «إسرائيل» بصواريخ مصنوعة محليا. الأسوأ من ذلك أنّ هذه القيود تدفع حماس إلى مسافة أقرب من طهران، التي تساعد بدورها على بلورة التأثير الإيراني في المجال الفلسطيني الإسرائيلي.

كما أنّ مصير المسئولين الفلسطينيين المعتدلين معرض للخطر. إذا قبلت الحقيقة فإنّ وجود قيادة تتمتع بمصداقية وقادرة على حماية ودفع المصالحة الفلسطينية من خلال علمية سلمية هو أمر خاضع للتساؤل. فالرئيس عباس واقع في زاوية حرجة وتتوقع الولايات المتحدة و»إسرائيل» منه أن يستمر في التفاوض معهما بغض النظر عما تقوم به «إسرائيل» في غزة. و تخلق أعمال العقاب الجماعي، التي تضم حرمان غزة من الطعام والطاقة، كراهية شديدة لدى السكان. وتلقى اللائمة عادة على السلطة الفلسطينية لعدم احتجاجها بنشاط ضد هذه الانتهاكات ولأنها لا تفعل ما هو كافٍ لإزالة معاناة سكّان غزّة. بل يتساءل البعض ما إذا كانت السلطة الفلسطينية متواطئة في عملية خنق غزّة. بغض النظر عمّا إذا كانت هناك أية صحة لهذه الإدعاءات فإنّ الإصرار على هذا المنظور في الشارع الفلسطيني ستكون له على الأرجح نتائج سلبية بعيدة الأمد من حيث مصداقية السلطة بين أفراد شعبها. هذه النتيجة سوف تصبح، في الاحتمالات كافة، أكثر قبولا بشكل خاص عندما تصبح السلطة الفلسطينية على وشك التوقيع نيابة عن الشعب الفلسطيني في كل مكان على صفقة سلام مع «إسرائيل».

قد يكون الدفاع عن التوجّه الحالي الذي يسيطر على السياسات الأميركية والإسرائيلية نجاح حماس إذا جعلت «إسرائيل» أكثر أمنا. إلا أن هذا التوجه لا يفعل شيئا سوى إيجاد ظروف معيشة بائسة في غزة، وهي بدورها تيسّر ظهور طراز من المسلمين أكثر شدة وقسوة مثل جيش الإسلام وجيش المؤمنين، وهما جماعتان مارقتان تدعيان أنهما مرتبطتان بتنظيم القاعدة، وقد نفذتا عمليات عديدة في غزّة السنة الماضية.

يتطلب إطلاق عملية سلام ذات مصداقية بين الفلسطينيين والإسرائيليين يمكنها أن تؤدّي في النهاية إلى تسوية سلمية دائمة، أن يتم إحضار جميع اللاعبين الرئيسيين على الجانبين إلى طاولة المفاوضات. إذا أخذنا عرض حماس عقد هدنة لمدة عشر سنوات بجدية، فإن ذلك سيكون خطوة في الاتجاه الصحيح. طالما كان للسياسة الحالية تجاه حماس والتي تهدف إلى استخراج تنازلات من خلال فرض العقوبات واستخدام القوّة العسكرية، احتمالات الفشل، وقد حصل ذلك فعلا.

* زميل بحوث بمؤسسة كارنجي للسلام العالمي والرئيس السابق للجنة التضامن مع فلسطين بجامعة هارفرد، والمقال ينشر بالتعاون مع «كومن غراوند»

إقرأ أيضا لـ "Common Ground"

العدد 2089 - الأحد 25 مايو 2008م الموافق 19 جمادى الأولى 1429هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً