العدد 2562 - الخميس 10 سبتمبر 2009م الموافق 20 رمضان 1430هـ

( رسائل القراء ) :إلى جنة الخلد أيها السيد الكامل

في ليلة دعينا إلى مائدة إفطار، وكنا مسرورين بلقاء أحبة لنا، منذ زمن ليس بالقصير لم نلتق معهم، ولم تجمعنا مناسبة جميلة كهذه المناسبة، ونحن نتبادل الحديث مع بعض الأخوة، وفجأة رأينا أحد الأصدقاء يتغير وجه وتصبب العرق من جبينه بعد رده على مكالمة هاتفية تلقاها من أحد أصدقائه.

لم يبلغنا بالأمر الذي غير ملامحه حينها، ولم يبوح بفحوى المكالمة، وعند ذهابنا إلى السيارة، سمعته يسترجع عدة مرات ويردد الآية الكريمة (إنا لله وإنا إليه راجعون)، ذهلنا من فعله الذي ينذر بأن هناك أمرا فظيعا قد حدث.

بعد ركوبنا إلى السيارة أخبرنا بالنبأ المفجع الذي لم نكن نتوقعه ولم يخطر ببالنا، خبر رحيل السيد رضي الكامل، ذلك الشاب الوقور الذي كان بأخلاقه العالية وإيمانه الراسخ وعمله الصالح وسكينته وهدوءه وطباعه الخيرة وإنسانيته الرفيعة قد أسر قلوب الكثيرين من الشباب والرجال والأطفال.

عندما طرق أسماعي ذلك الخبر المؤلم، لم استوعبه ولم أصدقه، ونحن متجهون إلى قرية القدم، مسقط رأس الفقيد الغالي ومكان سكناه والتي برحيله فقدت أحد أعمدتها الشبابية الفاعلة في القرية.

كنت أتمنى أن لا يكون الخبر صحيحا، وأن يكون ناقل الخبر مشتبها في نقله، ولكن بعد وصولنا إلى القرية تبدد ذلك الأمل بعد أن رأينا علامات الحزن والأسى واضحة على وجوه أهالي القرية، وفي مقبرة القرية التي ازدحمت بمحبي ذلك الشاب الرائع في سجاياه وطباعه الراقية وبصلاحه وتقواه وشدة التزامه الديني وبحضوره المتميز في مختلف المحافل الإيمانية التي تقام في قريته وفي خارجها، والحضور الشبابي الكبير الذي حضر مراسم التشييع والدفن والتعزية دليل على تغلغل حب ذلك الشاب في نفوسهم وفي وجدانهم، كنا نسمع البكاء والنحيب من محبيه يأتينا من مختلف الجهات، فقد ذلك الشاب نزل كالصاعقة على كل من وصل إلى أسماعه نبأ رحيله، ورأينا علامات الأسى والحزن الشديدة ظاهرة على وجوههم، وسمعنا عبارات النعي تنطلق من دون تكلف من أفواه الكثيرين ممن حضروا التشييع، واحد يقول وا حسرتاه على فراقك أيها الحبيب، وآخر يقول وأسفاه على رحيلك أيها الغالي، وثالث يقول فجعنا بموتك أيها السيد الجليل، ورابع يضع رأسه على القبر ويناديه بصوت عال: لماذا رحلت عنا وتركتنا لوحدنا يا سيد؟، وخامس يقول الدنيا بدونك يا سيد مظلمة.

لم يشك أحد من الذين قدموا لتشييعه إلى مثواه الأخير أن الموت حق، ولكن لوعة فراق الأحبة جعلتهم يعبرون عن مشاعرهم الجياشة من دون تكلف، ولا يوجد فيهم من لا يعلم بأن مصير كل إنسان يسير إلى أجله المحتوم الذي لا مفر منه، سواء كان آجلا أم عاجلا.

ولا يوجد أحد منهم من يدعي أنه يستطيع دفع الموت عنه حتى ولو دفع جميع ما يملك من أموال وعقار وممتلكات منقولة وغير منقولة، ولا يمكن لأحد من الناس الإدعاء بأن الإنسان ينتهي في حال موته، الكل يعتقد أن الحساب له يوم موعود في علم الله جل وعلا. حتى الملحد الذي ينكر وجود الخالق يظهر الله في بعض الأوقات العصيبة على لسانه الحقيقة الإلهية الثابتة، والشاك في هذه الحقيقة يجعل الناس تشك في سلامة عقله، وقد يتهم في أحاينٍ أخرى بالهذيان والجنون، فالإنسان يكبر ويعمل ويكدح ويتزوج وينجب الأولاد والبنات ويختلف مع هذا ويصادق ذاك ويأكل أموال الناس بالباطل ويغلب على طبعه غش الناس في القول والعمل، في نهاية المطاف تختم حياته بالموت، وتصبح حياته تاريخا يسرد على ألسن الناس، إن كان مؤمنا ومحسنا صالحا كفقيد الشباب السيد رضي الكامل سيتحدث الناس عن إيمانه و إحسانه وصلاحه، وسيبكون عليه وتذرف الدموع من العيون بحرارة، وتدمي القلوب بحرقة حسرة عليه مثل السيد رضي يحق لمحبيه أن يبكوا عليه ويأسفون على رحيله، هذا السيد الجليل الأنموذج السامي الذي ترك الأثر الطيب في مجتمعه من حق كل من عرفه عن قرب وعايشه في مختلف مراحل حياته أن يدعو إليه بالمغفرة والرحمة ويطلب من الله سبحانه وتعالى أن يتغمده برحمته ويسكنه الفسيح من جنته، ما الذي يجعل الناس تتحرك مشاعرهم بإيجابية كما رأيناه في رحيل السيد الكامل؟ ماذا قدم لهم السيد الكامل حتى عشقوه بهذه الدرجة الكبيرة؟ لم يقدم إليهم إلا الأخلاق العالية والعمل الصالح الخالص لوجه الله، السؤال الذي يطرحه السيد رحمه الله تعالى دائما...

فلماذا يعيش الإنسان الغفلة ولا يحاول أن يفوق من غفلته رغم وضوح الرؤية؟ ألم يعرف أن تغافله عن الحقيقة الدامغة لا يبعد عنه مصيره ولا يقربه؟ ألم يعلم أن الطغيان والجبروت والظلم كلها سبل للهلاك؟ ألم يع أن التكبر على الآخرين جرم عظيم وقد يكون سببا لدخوله إلى النار والعياذ بالله ؟ ألم يفهم أن السقوط الأخلاقي بأنواعه المتعددة عار عليه في الدنيا والآخرة؟ وكان يقول بلسان الحال، كم من الناس بالأمس القريب كانوا بين أصحابهم يضحكون ويمرحون ويروحون ويجيئون ولم يخطر ببالهم أنهم راحلون عاجلا ومن دون مقدمات، وكم من البشر أصيب بمصيبة عظمى وطلب من ربه أن يخلصه منها وأخذ على نفسه العهود والمواثيق على أنه لن يعود إلى إرتكارب المعصية إذا خلصه الله مما هو فيه؟ ماذا حدث عندما نجاه الله من تلك المصيبة؟ رجع إلى سابق عهده إن لم يكن أشد من السابق، ما الذي يجعل الإنسان يتعامل في هذه الدنيا وكأنه مخلد فيها؟ ليس لنا إلا أن نقول هنيئا لك أيها السيد الكامل.

لقد عملت بجد إلى تنمية رصيدك الأخروي بأعمالك الصالحة، وعرفت أن العاقل الفطن لا يعمل على إحراج نفسه يوم كشف المستور أمام رب الخلائق، وعلمت أن ليس بالأمر السهل أن يقف الإنسان أمام كل البشر لينادى باسمه وتسرد أفعاله المشينة التي اقترفها في هذه الدنيا الزائلة، وكان يقول دائما إنه لا يعتقد أن هناك أحد من البشر يحترم عقله ويقدر كيانه الإنساني يختار لنفسه الانحدار والسقوط في ذلك اليوم العصيب.

ونحن نقف على شفير قبرك أيها الحبيب، وقبل موارتك إلى لحدك قلنا بلسان واحد، سلام عليك أيها السيد الغالي يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا، وطلبنا من الله جل جلاله أن يلهم أهلك وذويك ومحبيك الصبر والسلون، وأن يجعل طفليك اليتيمين خير سلف لخير سلف.

سلمان سالم

العدد 2562 - الخميس 10 سبتمبر 2009م الموافق 20 رمضان 1430هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 3 | 9:14 ص

      من ابوسلمان- العرادي

      اللة يرحمك ايها السيد الجليل
      حقآ كنت مثالآ لشباب المؤمن
      تعازينا الى والد القفيد السيد احمد
      تعازينا الى عائلة السيد عباس الكامل
      تعازينا الى جميع اهالي قرية القدم
      تعازينا الى كل من عرف السيد رضي الكامل
      و رحم اللة من اهدى سورة الفاتحة الى روح السيد
      علي العرادي

    • saleh Khamis | 6:46 ص

      الله يرحمه

      حقا انه انسان يفرض حبه واحترامه لكل من عرفه الله يصبر اهله والى جنة النعيم ياسيد

    • عاشق المنتظر | 4:54 ص

      شكرا أخي العزيز

      جزيت خيرا أخي العزيز على هذه الكلمات الرائعة في حق السيد الكامل كلمات رائعة خطتها أناملك الذهبية لتعبر بكل صدق عن أنموذج من نماذج الشباب الصالح في وطننا.
      فقد السيد خلف حزنا كبيرا وألما ولوعة لمن كان يعرفه ومن لا يعرفه وهذا دليل الأخلاق العالية والسامية..

    • زائر 2 | 12:39 ص

      رحمك الله ..

      رحمك الله يا سيد رضي ..

    • زائر 1 | 9:51 م

      شيعيه

      الله يرحمه
      ويصبر اهله ويمسح على قلوبهم ان شاء الله

اقرأ ايضاً