العدد 296 - السبت 28 يونيو 2003م الموافق 27 ربيع الثاني 1424هـ

إندونيسيا... عملاق إسلامي آخر يتهاوى

هل يراد للعالم الإسلامي أن يخلو من العمالقة ؟

سلمان عبدالحسين comments [at] alwasatnews.com

كاتب

كانت باكستان هي عملاق العالم الإسلامي منذ نشأتها العام 1947 حتى تمزيقها في مطلع السبعينات، ضمن مؤامرة كانت أطرافها القوى الكبرى، وأداة التنفيذ فيها الهند. ويبدوا أن الدور قد جاء الآن على إندونيسيا، الدولة الإسلامية العملاقة في جنوب شرق آسيا. فقبل سنوات قليلة، كانت إندونيسيا تتصدر أخبار الصحافة العالمية بسبب مشكلة تيمور الشرقية، التي كان واضحا لكل ذي عينين أن الغرب قد صمم على انتزاعها من إندونيسيا ومنحها الاستقلال، بدعوى عدم شرعية ضم إندونيسيا لها في بداية السبعينات. وهكذا تثبت القوى الغربية الكبرى مرة أخرى ازدواجية المعايير لديها، وخصوصا إذا ما اتصل الأمر بمشكلة يكون المسلمون طرفا فيها، فأين هذا القلب الرحيم للغرب في تعامله مع قضايا فلسطين وكوسوفو والشيشان وكشمير ؟

وهاهي إندونيسيا تتصدر الصحافة العالمية مرة أخرى من خلال مشكلة إقليم أتشيه المضطرب منذ سنوات. فبعد محاولات فاشلة لحل المشكلة عن طريق المفاوضات، قام الجيش الإندونيسي بشن هجوم شامل على مواقع الثوار في الإقليم المطالب بالانفصال. ولكن سواء نجح الإقليم في نيل استقلاله ام لا، يبقى السؤال المهم هو: هل ستكون أتشيه هي المشكلة الأخيرة، أم أن المشكلات والمطالبات الانفصالية ستتابع، ليتحول هذا الأرخبيل الضخم من الجزر إلى دويلات ضعيفة، لتضيف مزيدا من الضعف والتشرذم إلى الحالة الإسلامية الراهنة ؟

تعاني هذه الدولة الكبيرة التي تتكون من حوالي مليوني كيلومتر مربع من الجزر المتناثرة التي يقدر عددها بالآلاف، يعيش فيها أكثر من 230 مليون نسمة (حوالي 15 في المئة من إجمالي سكان العالم الإسلامي)، تعاني من عدة أزمات خطيرة، أولاها حال الضعف والتمزق على الساحة السياسية، في ظل حكم إداري ضعيف، وديمقراطية ناشئة. وثانيها الأزمة الاقتصادية الخانقة، فقد أدت الأزمة المالية والاقتصادية التي اجتاحت دول جنوب شرق آسيا في العام 1997 إلى انهيار المكتسبات الاقتصادية التي حققتها إندونيسيا، وكاد النمو الاقتصادي أن يتراجع إلى الصفر. أما الأزمة الخطيرة الثالثة التي تعاني منها البلاد، والتي نحن بصددها الآن، فهي الحركات الانفصالية والنزاعات الطائفية والعرقية التي تعتبر بؤر توتر دائمة، قابلة للاشتعال في أية لحظة. تشكل هذه البؤر «مناطق ملتهبة» لن تتوانى القوى المعادية لإندونيسيا عن استغلالها لتمزيق البلاد. وهذه المناطق الملتهبة هي:

1- إقليم أتشيه: يقع في الطرف الشمالي لجزيرة سومطرة الكبيرة. يشتهر سكان هذا الإقليم بتدينهم، وبجهادهم الطويل ضد الاستعمار الهولندي، فقد ظلوا يحاربون الهولنديين حتى العام 1911، في الوقت الذي كانت فيه الأجزاء الأخرى من الأرخبيل كافة قد خضعت للاحتلال. يعاني سكان أتشيه من الحرمان، ويتهمون الحكومات المتعاقبة بإهمالهم وحرمانهم من موارد النفط المستخرج من مناطقهم.

2- جزر الملوك: عاصمتها أمبون، وهي عبارة عن حوالي ألف جزيرة صغيرة تقع في الطرف الشمالي الشرقي للأرخبيل. يبلغ عدد سكان الإقليم حوالي مليوني نسمة، يشكل المسلمون 57 في المئة منهم، والباقي من النصارى الكاثوليك والبروتستانت، الذين يتمتعون بدعم قوي من قوى إقليمية ودولية، ما أطمعهم في المطالبة بالاستقلال وطرد المسلمين. قام النصارى خلال السنوات القليلة الماضية بارتكاب الكثير من المجازر الوحشية في حق السكان المسلمين في ظل سكوت دولي مريب، وعجز وتخاذل واضحين من قبل الحكومة المركزية في جاكرتا.

3- إيريان جايا (إيريان الغربية): وهي شبه جزيرة تقع في الطرف الشرقي الأقصى لإندونيسيا، وسميت بالغربية لأنها تشكل النصف الغربي لجزيرة غينيا الجديدة، أما النصف الشرقي فيعرف باسم دولة (بابوا غينيا الجديدة) المستقلة. ومنطقة إيريان جايا كبيرة المساحة، قليلة السكان، ومعظمهم من النصارى والوثنيين، التي أصبحت مطالبهم بالاستقلال تتزايد يوما بعد يوم في ظل تعاطف من بعض القوى المجاورة، وخصوصا أستراليا التي لعبت دورا مهما في انفصال تيمور الشرقية.

4- كاليمنتان: وهي الجزء الإندونيسي من جزيرة بورنيو، أكبر جزر جنوب شرق آسيا. وقد شهدت أعمال عنف ومجازر رهيبة عامي 1999 و2000، ارتكبها أبناء قومية (الداياك) الوثنية، ضد المسلمين الذين ينحدرون أصلا من جزيرة (مادورا) المجاورة.

5- تيمور الغربية: وهي منطقة آمنة إلى الآن ولا توجد بها مطالب واضحة بالاستقلال، ولكن ليس من المستبعد أن تصلها رياح الانفصال من قبل تيمور الشرقية المجاورة، وأن تسعى أستراليا ومن ورائها الغرب لإثارة البلبلة والنزاع الطائفي بين سكانها المسلمين والكاثوليك تحت شعار توحيد الجزيرة !

هذه هي «المناطق الملتهبة» في إندونيسيا، والتي تشكل رأس الحربة في أي مخطط لتقسيم البلاد، في ظل عجز داخلي، وعدم وجود حركة إسلامية كبيرة موحدة، تكون مؤهلة للتصدي لمخططات الأعداء

إقرأ أيضا لـ "سلمان عبدالحسين"

العدد 296 - السبت 28 يونيو 2003م الموافق 27 ربيع الثاني 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً