العدد 353 - الإثنين 25 أغسطس 2003م الموافق 26 جمادى الآخرة 1424هـ

شرارة الحرب النائمة بين الأكراد والتركمان في الطوز

عصام فاهم العامري

.

شهدت مدينة الطوز مواجهات ساخنة خلال الأيام الماضية بين سكان المدينة وعناصر من البشمركة الكردية سقط خلالها أكثر من ثلاثين شخصا بين قتيل وجريح. وفي الوقت الذي تسود المدينة حاليا أجواء من الغضب والتوتر شهدت الساعات الماضية وصول وفود من مختلف القوى السياسية والدينية في محاولة لتهدئة الأوضاع. غير أن الأوضاع في المدينة تنذر بالمزيد من المواجهات والتدخلات من فرقاء عراقيين وربما بدعم من أطراف إقليمية لاسيما بعد أن أصبحت لهذه المواجهات تداعياتها في مدينة كركوك التي شهدت مظاهرتين حاشدتين استنكارا لما اعتبر مجزرة بحق سكان الطوز من التركمان.

وكانت هذه المواجهات اندلعت يوم الجمعة الماضي اثر اكتشاف سكان المدينة من التركمان الشيعة تفجير مقام السيد أحمد ومرسي علي وهما من أحفاد الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وكان سكان المدينة افتتحوا المقام بعد إعادة بنائه قبل ذلك بساعات. واثر اكتشافهم لعملية التفجير التي طالت المقام انطلقت مظاهرة حاشدة سلمية وجه خلالها المتظاهرون أصابع الاتهام إلى عناصر البشمركة الكردية التي تسيطر على المدينة والقاء تبعية تفجير المقام عليها، غير أن عناصر البشمركة بدلا من تهدئة الغاضبين فتحت النار عليهم - بحسب شهادات متطابقة من سكان المدينة - وكان من نتيجة ذلك أن سقط في تلك المظاهرة ثلاثة قتلى وثلاثة جرحى.

وأكدت هذه الشهادات أن القوات الأميركية في المدينة اتخذت موقف المتفرج، الأمر الذي حمل السكان الغاضبين على الاتيان بأسلحتهم ومهاجمة عناصر البشمركة، ما أدى بدوره إلى سقوط المزيد من القتلى والجرحى من الجانبين. وبذلك ارتفعت حصيلة المواجهات إلى 30 شخصا بين قتيل وجريح. وأكد السكان أن تصاعد حدة المواجهات جعلت القوات الأميركية تنتشر في المدينة بينما انسحبت عناصر البشمركة لإغلاق الطريق المؤدي إلى كركوك وأقامت نقطة سيطرة قرب حمام النور في المدينة وصارت تطلق القنابل اليدوية وتصوّب نيران أسلحتها الرشاشة على كل من يحاول الاقتراب منها من سكان المدينة. وفرضت القوات الأميركية حظرا للتجول في المدينة ابتداء من عصر الجمعة.

وشيع سكان المدينة قتلاهم من التركمان إلى مثواهم الأخير في مدينة النجف الأشرف عصر الجمعة، بينما نقل بعض الجرحى إلى كركوك وبعضهم الآخر إلى تكريت بعد أن رفض المستشفى الموجود في المدينة الذي تسيطر عليه العناصر التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني استقبال الجرحى من التركمان.

يذكر أن مدينة الطوز (طوز خرماتو) تقع على الطريق العام الذي يربط كركوك بالعاصمة وتبعد عن الأخيرة بحوالي 180 كم وعن كركوك 70 كم وعن تكريم حوالي 100 كم. ويعتبر كثير من المراقبين أن المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 200 ألف نسمة يمكن أن تشكل مدخلا لحرب أهلية قد تمتد إلى خارجها. ويعتقد كثيرون أن هذه المواجهات يمكن أن تشكل الشرارة لاندلاع الحرب النائمة في المدينة التي تتميز بتنوعها الاثني والمذهبي، فالتركمان في المدينة يشكلون نسبة 55 في المئة من سكانها، ومعظم التركمان في هذه المدينة من الشيعة. أما الأكراد فنسبتهم لا تزيد على 30 في المئة بحسب التقديرات المحايدة وجلهم من السنة، أما العرب فيشكلون 15 في المئة، أكثرهم من السنة وبعضهم من الشيعة.

وكانت أخبار المواجهات في الطوز وجدت صداها في كركوك إذ انطلقت مظاهرات مساء الجمعة وصباح السبت استنكارا لما اعتبر مجزرة بحق التركمان، وسارعت وسائل الإعلام التركية ببث أخبار المواجهات. وأكدت مصادر «الجبهة التركمانية» ان بعض الجرحى تم نقلهم من مستشفيات كركوك إلى تركيا كما تم نقل نسخة من شريط فيديو يصور تلك المواجهات.

ويحمل بعض السكان العرب في المدينة قوات الاحتلال مسئولية ما جرى. ويؤكد عميد متقاعد من سكان المدينة، طلب عدم ذكر اسمه، أن اللعب على ملف التعددية الاثنية والدينية والمذهبية هو الأسلوب المفضل لدى قوات الاحتلال التي تريد تطبيق مبدأ «فرق تسد» باعتمادها على الأكراد في شمال العراق والسماح لهم بالاحتفاظ بالسلاح في حين تسعى إلى نزع السلاح من باقي القوى والجماعات.

وأكد عدد من سكان المدينة أن وفودا تمثل التركمان في كركوك والجبهة التركمانية وممثلين للحوزة الدينية في النجف وممثلين لمقتدى الصدر من «مدينة الصدر» في بغداد فضلا عن شيوخ العشائر العربية من نواحي بامرلي وسليمان بيك القريبة من مدينة الطوز توافدوا على المدينة التي أقفلت فيها المحلات وبدت شوارعها خالية من المارة في حين تجمع رجال المدينة وشبابها في الحسينيات والجوامع الموجودة فيها. وتحاول هذه الوفود احتواء الموقف ومحاولة معرفة المتسببين به وإيجاد تسوية لازمة له.

وتعبر الوفود عن خشيتها من حصول حرب أهلية بين سكان المدينة وبالتالي انتقال تلك الحرب ككرة الثلج إلى مناطق أخرى في البلاد التي تعمها الفوضى والانفلات الأمني لاسيما أن وسائل الاعلام التركية تناولت حوادث الطوز في اعتبارها محاولة كردية لا لتهميش التركمان فقط، وانما أيضا لممارسة عمليات التطهير العرقي والتهجير القسري بحقهم

العدد 353 - الإثنين 25 أغسطس 2003م الموافق 26 جمادى الآخرة 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً