العدد 404 - الثلثاء 14 أكتوبر 2003م الموافق 17 شعبان 1424هـ

العرب والعولمة: ضرورات بناء ثقافة جديدة

صلاح الدين الجورشي comments [at] alwasatnews.com

.

لا خلاف على اعتبار العولمة محطة متقدمة للنظام الرأسمالي، الذي توافرت له عدة ظروف لبسط نفوذه على الصعيد الدولي، من أهمها تفكك المعسكر الاشتراكي والانهيار المدوي للاتحاد السوفياتي. وسمح ذلك لمنظري الليبرالية الجديدة وحلفائهم السياسيين والشركات المتعددة الجنسية بتشغيل كل الآليات وممارسة كل الضغوط في سبيل كسر مختلف الحواجز أمام البضائع وحركة رأس المال، وإدماج جميع الأسواق في سوق واحدة. سوق مفتوحة، تخضع لقوانين تبدو موحدة، وتروج لسلع محكومة بمقاييس أيضا شبه موحدة وإن كان واضعوها هم الأقوى اقتصاديا.

من هذه الزاوية تعتبر العولمة حركة اقتصادية تسعى إلى السيطرة والربح واقتحام الأسواق المحلية والقضاء على النزعات الحمائية، وخصوصا لدى دول الجنوب من أجل تحقيق الهيمنة المطلقة لأطراف النظام الرأسمالي. لكن الاكتفاء بهذا التعريف للعولمة، يشكل اختزالا مخلا لظاهرة أكثر تعقيدا، وطمسا لجوانب أخرى لا تقل أهمية وخطورة. إنها منظومة ذات طابع شمولي، لا تميز بين الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافة. وبما أن أنظمتنا السياسية ومجتمعاتنا أيضا تعودتا على إهمال الثقافة وتهميشها، فإنه يخشى أن يقع إسقاط العامل الثقافي في عملية التعاطي مع العولمة، وهو ما من شأنه أن يفاقم عدم الفهم ويضاف من عجز الجماعي عن مواجهتها أو الحد من تداعياتها السلبية.

كيف يبدو ذلك؟

من يتابع النسق السريع لانتشار مظاهر العولمة يلاحظ ما أشار إليه برهان غليون من «ميل لا راد له نحو توحيد الوعي وتوحيد القيم وتوحيد طرائق السلوك وأنماط الانتاج والاستهلاك» . والحقيقة أن هذا النزوع نحو تنميط الحياة الإنسانية ليس وليد الحقبة الأخيرة من القرن 21. لقد بدأت تلك المحاولة منذ ولادة النظام الرأسمالي وانطلاقه نحو البحث عن أسواق خارج حدود أوروبا واللجوء إلى استعمار الشعوب والبلدان. فترويج بضاعة يستوجب تكييف أذواق الزبائن وخلق حاجيات استهلاكية جديدة لديهم. لكن مع الانقلاب الذي حصل في تكنولوجيا الاتصال، وكذلك اتفاقات «الغات» وقيام المنظمة العالمية للتجارة التي ولدت من أجل فتح الأسواق، تسارعت وتيرة الإدماج الثقافي في خط موازٍ للإدماج الاقتصادي ومكمل له. وبقدر ما يبدو الأمر طبيعيا و«حتميا» فإن آثاره وانعكاساته على المجتمعات والتوازنات الحضارية تكون خطيرة ومهددة للاستقرار والتعايش. ومع ذلك فإن هذه التداعيات الخطيرة لم تخضع في المجتمعات العربية والإسلامية إلى الدراسة الدقيقة.

الأقوى هو المحدد

بما أن كل المسائل مرتبطة بموازين القوى، فإن عملية التنميط الجارية على قدم وساق، المحدد فيها هو النموذج الأميركي باعتباره النموذج المتفوق في مختلف المجالات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، ومن هنا أصبح الحديث عن التماهي أو التماثل بين مصطلحي «العولمة» و«الأمركة»، ومن هنا أيضا وجدت أوروبا نفسها معنية بالبحث عن مواجهة خطر التنميط الثقافي الذي يهدد ثقافتها ولغاتها المتعددة وتراثها. وتكفي الإشارة إلى الجهود التي تبذلها فرنسا من أجل حماية إنتاجها الثقافي عن طريق القوانين الحمائية الحازمة التي تفرضها على مؤسساتها حتى تحد من طغيان الانتاج الثقافي الأميركي. كما أن فرنسا تدير المعركة نفسها على صعيد آخر وهو المنظمة الفرنكفونية التي اتخذت في الفترة الأخيرة من التعددية الثقافية معركة حقيقية لها أكثر من مغزى وأهمية.

عندما ينتصر التاريخ يتوقف

إن تبعية الثقافة للتجارة ليس في نهاية التحليل إلا ترجمة عملية للمنطق الذي يجعل القيمة العليا في الحياة هي الربح. وعندما تصبح قوانين السوق هي المحددة لبقية القيم فإن البشرية تكون مهددة ومعرضة لانقلابات خطيرة على مختلف الأصعدة الذاتية والعائلية والمجتمعية. فالذين تحدثوا عن «نهاية التاريخ» أو «صدام الحضارات» كانوا غير منطقيين ومتجاوبين تماما مع المنعرج الذي اتخذوه مسارا للعولمة، إذ إن التاريخ يتوقف فعلا عندما تتوقف حركة العطاء ويصبح الإنسان سجين الدائرة المغلقة : «يعيش ليستهلك ويستهلك ليعيش» يتوقف التاريخ. فالتاريخ الإنساني يتواصل ويتحرك بفضل قانون الاحتفاظ والتجاوز، وهو قانون يفترض الاختلاف والتنوع والبحث المستمر عن نموذج أو نماذج مغايرة تكون أفضل وأرقى. أما سياسة التنميط القسري فهي تؤدي بالضرورة إلى الصراع من أجل البقاء الثقافي.

بعض تداعيات العولمة

في ضوء المقدمات السابقة، وعلى رغم عدد من النتائج الإيجابية التي لا يمكن نكرانها، إلا أن الطبيعة الراهنة لمسار العولمة كما تشكلت حاليا ستؤدي بالضرورة إلى نتائج سلبية وخطيرة من بينها :

- تهديد عدد من الثقافات - ومن بينها الثقافة العربية الإسلامية - بالإنقراض عبر محاصرة لغاتها وإفقار العمق التاريخي لأصحابها وتقويض أنماط إنتاجها وتجفيف قيمها الذاتية، والقضاء على صناعاتها الثقافية وأدوات رواجها وتدمير أسواقها وتغيير أذواق جماهيرها.

- تنمية نزعات المقاومة للعولمة وثقافتها، وذلك عبر أشكال متعددة، من بينها أشكال غير ناضجة ويائسة، كأن يلجأ أصحابها إلى العزلة القاتلة أو اللجوء إلى العنف والإرهاب اللذين يغذيان حال الاحتقان والتوتر على الصعيدين المحلي والدولي من دون التوصل إلى حل القضايا المطروحة. بل على العكس من ذلك يعطي هؤلاء مبررات إضافية للقوى المستفيدة من النمط الحالي للعولمة لتستعمل أسلحتها وقدراتها التدميرية حتى تحكم سيطرتها وتحقق مختلف أهدافها. ويعتبر ما أقدم عليه تنظيم القاعدة مثالا قويا في هذا السياق. فتفجير عمارتين آهلتين بالمدنيين كلفت - ولا تزال - العرب والمسلمين ثمنا باهظا، ومكنت الاستراتيجيين الأميركان من ضرب عصافير كثيرة بحجر واحد.

- تسريع الهيمنة باللجوء إلى الحرب كأداة للحسم والإدماج، وهو ما أصبح يطلق عليه «عسكرة العولمة». فما يجري منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 تجاوز طابعه العسكري والاقتصادي، إذ تعمل الإدارة الأميركية على فرض تغييرات سياسية وتعليمية ودينية وثقافية، ما يهدد بتوسيع رقعة الصراع والفوضى التي قد تشمل مناطق كثيرة في العالم إذا ما استمرت أميركا في تنفيذ مخططها للسيطرة على العالم.

العرب بين الفرصة والضياع

إذا انتقلنا إلى الدائرة العربية الإسلامية فإن العولمة يمكن أن تضعنا أمام مصير غير واضح ولا آمن، وذلك إذا أسأنا التعامل مع تداعياتها السلبية أو الإيجابية. فشعوب هذه المنطقة، وحتى قطاعات عريضة من نخبها، لم تتمكن حتى الآن من ملاحقة التحولات الجارية، ما جعلها غير قادرة على إنجاز أية نقلة نوعية في أي مجال من المجالات سواء الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية. كل الجبهات منهارة وجميع مقومات الأمة مهزوزة. الأكيد أن العولمة ليست شرا كله. فهي في بعض جوانبها قد توفر فرصة لإعادة هيكلة أوضاع المنطقة على أسس مختلفة. ويمكن في هذا السياق الإشارة بسرعة إلى بعض الجوانب ذات الصلة بالمجال الفكري والثقافي:

- كسرت العولمة التكنولوجية احتكار الدولة للاتصال والإعلام، إذ بقيت دول عربية قليلة تواصل بذل جهود جبارة في محاولات قد تكون الأخيرة لمقاومة الحق في المعلومة والإعلام.

- أنهت العولمة حال التماهي والتطابق بين الدولة والنظام الحاكم والمجتمع والسيادة. وعلى رغم استمرار التعثر ومحاولات تزييف إرادة المجتمعات، فإن التعددية السياسية والفكرية لم تعد جريمة يحاكم عليها مرتكبوها بالإعدام وعشرات السنين من الاعتقال. لا يعني ذلك أن السجون العربية خلت من سجناء الرأي، لكن بقاء هؤلاء أصبح يعتبر في مقاييس التنمية الحديثة عاملا من عوامل القدح في سلامة «الحكم الرشيد».

- إعادة الاعتبار للثقافة في مرحلة قد يكون فيها الإبداع الثقافي الإضافة الوحيدة التي يمكن أن تميز مساهمة المنطقة في المشهد العالمي الراهن الذي يفترض أن تلعب فيه الجوانب الرمزية والقيمية دورا مهما في المستقبل، وخصوصا لدى الداعين إلى عولمة بديلة يكون الإنسان محورها وهدفها.

نحو ثقافة عربية

إسلامية إنسانية

كل ذلك يقتضي من العرب والمسلمين بناء خصوصية منفتحة وفاعلة. خصوصية تتمتع بديناميكية ذاتية تعيد قراءة التراث وصوغ الثقافة الشعبية، وتغير علاقة الأنظمة والأحزاب بالدين والقيم الدينية، وتؤسس لمصالحة تاريخية بين قيم الفرد والمجموعة وبين اللحظة العالمية الراهنة. ولكي تكون هذه الثقافة فاعلة وقادرة على الإنخراط في الحركة العالمية المناهضة لسلبيات العولمة، يجب أن تكون ثقافة إنسانية في مضامينها وقيمها، تعتمد مرجعية حقوق الإنسان، وتقطع مع التقسيم التقليدي للعالم الذي كان قائما على المعتقد الديني للأفراد والشعوب، وتنحاز إلى الجبهة العالمية المؤمنة بالحرية والعدل والمساواة، والرافضة للتعصب والإقصاء والاستعمار والهيمنة.

الإشكال الذي لا مفر لحسمه قريبا يتمثل في كيفية تحويل الدين والثقافة - اللذين لا يعنيان شيئا واحدا - إلى جزء من الحلم الإنساني الواعد بإمكانية تغيير العالم وبناء مستقبل أفضل؟ فالعرب والمسلمون مدعوون إلى تأسيس ثقافة جديدة، ليس ذلك استجابة فقط لاحتياجات محلية، وإنما ضمن مسعى مشترك مع شعوب كثيرة في العالم تواجه تحديات متقاربة

العدد 404 - الثلثاء 14 أكتوبر 2003م الموافق 17 شعبان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً