العدد 2662 - السبت 19 ديسمبر 2009م الموافق 02 محرم 1431هـ

شروط المقاطعة ومتطلبات المشاركة (3)

عبيدلي العبيدلي Ubaydli.Alubaydli [at] alwasatnews.com

كاتب بحريني

من فوق تلك الأرضية العامة، نعود إلى ساحة العمل السياسي البحريني كي نشخص الشروط الملائمة التي تبيح الأخذ بمبدأ المقاطعة الصحيحة، ونرى مدى توفر هذه الشروط، وفي هذه المرحلة بالذات، التي تمتد من الآن وحتى الإعلان عن نتائج انتخابات 2010.

أول تلك الشروط المطلوب توفرها، والتي تبرر اللجوء إلى مبدأ المقاطعة هو انعدام، أو تقلص هامش الحريات العامة في البلاد إلى درجة تتلاشى فيها إمكانية العمل السياسي ضمن أي إطار علني وشرعي تحميه القوانين السائدة، كما كانت عليه الحال في البحرين إبان سيادة «قانون أمن الدولة»، أو في مراحل سيادة قوانين الطوارئ.

حينها تجرد تلك الحالة المعارضة من حقها في أي شكل من أشكال العمل العلني، وتفقد المعارضة بموجب ذلك كل أدوات أنشطتها السياسية الشرعية.

حينها لن تجد المعارضة البحرينية نفسها أمام خيار متاح سوى مقاطعة أي من قنوات العمل مع مؤسسات الدولة.

في مثل هذه المرحلة تكون الدولة هي المسئولة عن دفع المعارضة وإرغامها على اللجوء إلى أشكال قد تقودها إلى أعمال «إرهابية»، وبالتالي فمن الخطأ تحميلها - أي المعارضة - تبعاتها. ولسنا بحاجة إلى سوق الشواهد التي تثبت أن البحرين اليوم قد غادرت هذه المرحلة، دون أن ننفي أن هناك الكثير من التجاوزات التي تمس جوهر المؤسسة التشريعية والدستورية، لكنها تبرر، وتدعو بإلحاح، إلى بروز «معارضة مشاركة شرسة ومقدامة»، تنتفي من أمامها أية دعوة للمقاطعة.

ثاني تلك الشروط هو أن تتحاشى المعارضة الوقوع أسيرة في شرك مدخل «الرومانسية السياسية» المنطلق من مقولة أن المشاركة في العملية الانتخابية سوف «تعطي النظام، او تعزز من، شرعية سياساته الداخلية التي يحلم بأن ينعم بها، وتساهم في آن في تحسين صورته الخارجية».

الظروف القائمة اليوم تدعو المعارضة كي تبتعد عن اجترار مقولات لم تعد تمتلك أي عنصر من عناصر الصمود امام طبيعة النظام القائم الذي بات اليوم، شاءت القوى الداعية للمقاطعة الاعتراف بذلك ام أصرت على نكرانه، يملك قوة نسيج عنكبوتي مع القوى الداخلية، تضاعف من صلابتها علاقات متينة راسخة على الصعيد الخارجي، ربما تخدشها، لكن لا يمكن ان تهزها مهما حاولت، سياسات مقاطعة (بكسر الطاء)، التي ستبدو أنشطتها باهتة بصورة مطلقة أمام ما بحوزة هذا النظام من أسلحة سياسية فاعلة تمده بها عناصر قوته على الصعيدين الداخلي والخارجي.

مرة أخرى هنا نحن لا نتحدث عن نظام مثالي نموذجي ليس في حاجة إلى الكثير من عناصر الإصلاح، بقدر ما نشير إلى أن أفضل وسيلة للإصلاح هي تلك التي تقوم من الداخل، وبالاستخدام الأقصى، وبالتالي الأفضل، للقنوات الشرعية المتاحة وتوسيع صلاحياتها، بدلا من إدارة الظهر لها ومقاطعتها.

ثالث تلك الشروط، هو أن تحرص المعارضة على عدم تضخيم الحيز الذي تحتله هي بكل تلاوينها في خارطة العمل السياسي، والثقل الذي تحتله في موازين القوى، دون ان يقودنا ذلك إلى نتيجة خاطئة تقلل من نضالات شعب البحرين والتضحيات التي قدمتها المعارضة البحرينية من أجل الوصول إلى ما وصلنا إليه اليوم، بما في ذلك المشروع الإصلاحي ذاته. فالمعارضة البحرينية اليوم لاتزال، رغم ما نكنه لها من التقدير، طرية العود ويافعة عندما نتحدث عن العمل العلني الشرعي. ذلك لكون هذه المعارضة، والكلام هنا يتناول الجيل القيادي منها، قد تربت في أحضان «قانون أمن الدولة»، واكتسبت خبراتها الغنية من أشكال العمل السري المناهض لكل أشكال القوانين والأنظمة التي أفرزها ذلك القانون السيئ الذكر او تدور في فلكه.

من هنا فإن أمام هذه المعارضة مارثونا سياسيا طويلا عليها ان تقطعه، قبل ان تكتسب الخبرة التي تحتاجها كي تكون قادرة على مواجهة سياسات النظام التي لاتزال تسعى إلى تضييق هامش الحريات التي يمكن أن تستفيد منها المعارضة لتحقيق المزيد من المكاسب. وهنا سنجد ان المقاطعة ستحرم المعارضة اكتساب تلك الخبرات التي تحتاجها، وتضعها على الدوام في خانة ذيلية إزاء النظام، ما لم تبادر إلى الاستفادة من كل النوافذ المفتوحة، حتى تلك الأكثر ضيقا.

رابع تلك الشروط، هو التخلص من النزعة السلفية المرتكزة على الأوهام التي تتمسك بالماضي وتصر على استعادة التاريخ، والدعوة إلى مقاطعة كل ما هو دون «دستور 1973 وما تمخض عنه».

ليس هناك من يرفض ذلك الدستور أو يقبل بما هو أقل منه، لكن السؤال هنا ألم تكن مواد ذلك الدستور هي التي أباحت حل مجلس 1973، ووفرت موازين القوى بعدها الأرضية التي ألغته وساهمت في إدخال البلاد في غياهب «قانون أمن الدولة».

المقصود هنا الدعوة إلى التوقف عن النحيب على الأطلال واجترار انتصارات الماضي، كي لا يتطور الأمر فيوصلنا إلى ما يشبه عملية جلد الذات، عوضا عن ذلك علينا النظر بعمق نحو المستقبل القائم على الاستفادة مما هو متاح في الحاضر. فتقديس دستور 1973 يدفع العمل السياسي نحو منهج سلفي مغلف بتعابير معاصرة. ثم إذا كان الهدف من المقاطعة هو «نيل حق العمل بدستور 1973»، فليس هناك قناة أفضل من البرلمان، والقنوات الأخرى التي تحميها القوانين التي سنها ذلك البرلمان، وعلى وجه الخصوص منها الحقوق التي باتت تتمتع بها منظمات المجتمع المدني، لتحقيق ذلك.

خامس تلك الشروط، هو أن تحرص المعارضة البحرينية على تحاشي التأرجح الصادر عن ضبابية التفكير، بين المشاركة والمقاطعة، والذي يمكن ان يستنزف قواها ويبعثر جهودها، بل ويمزق صفوفها، كي يقودها في نهاية الأمر إلى قرارات عفوية غير مدروسة فرضتها ضغوط ضيق الوقت موضوعيا وعدم الاستعداد ذاتيا، فتصبح المقاطعة نتيجة مفروضة قسريا، بدلا من أن تكون منهجا متماسكا.

خلاصة القول إن الشروط الملائمة للمقاطعة غير متوفرة، وإن الظروف الداعية للمشاركة هي السائدة

إقرأ أيضا لـ "عبيدلي العبيدلي"

العدد 2662 - السبت 19 ديسمبر 2009م الموافق 02 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 1 | 9:24 ص

      خلاصة القول

      أن المشاركة والمقاطعة في الهوى سوا .. مسكين يا شعب البحرين قاصين عليك بقطعة عظم

    • مواطن مستضعف | 11:08 م

      الإصلاح الداخلي أولاً!!

      بسم الله الرحمن الرحيم طابت أوقاتك أستاذي الوجيه
      لن تتمكّن المعارضة البحرينية من تحقيق أدنى مكاسب أو مطالب. ما دامت منقسمة على نفسها, وأمعائها الداخلية تتصارع في ما بينها!! لا بد من اصلاح هذه المعارضة أولاً قبل التفكير باصلاح هذا النظام.
      مع خالص المودة

اقرأ ايضاً