العدد 446 - الثلثاء 25 نوفمبر 2003م الموافق 30 رمضان 1424هـ

فكرة التوافق الوطني عبر بوابة مجلس الشورى

ما قصة هذه المبادرة؟

تقي الزيرة comments [at] alwasatnews.com

في الآونة الأخيــرة، ثارت أسئلة كثيرة في الساحــة السياسيـــة. ففي مثل هذا الوقت من كل عــام يبــدأ موســـم الإشاعات السياسية. فكرة أو مبادرة «التوافق الوطني عبر بوابة مجلس الشورى» حسبما أطلقنا عليها في ورقة أعددناها خصيصا لهذه المبادرة، نالت هي الأخرى حصة من حديث الناس وتأويلاتهم. فالشارع البحريني متعطش دائما للسياسة والتغيير.

خلفية هذه المبادرة هي أننا أخيرا سعينا إلى إيجاد منافذ وحلول للخروج من هذه الحال السياسية المقلقة التي تعيشها الحركة الوطنية في البحرين. فقد انفصم مجتمعنا إلى قسمين: جمهور المقاطعين وجمهور المشاركين... نسبة إلى الانتخابات النيابية في أكتوبر/ تشرين الاول 2002 التي قاطعتها أربع جمعيات سياسية ما أثر بدرجة ملحوظة على نسبة الناخبين، إذ لم تتجاوز نسبتهم نصف الناخبين أو أكثر قليلا. ومع أن رئيس جمعية الوفاق الشيخ علي سلمان (التي قاطعت الانتخابات)، كان واضحا في رؤيته، إذ ردّد أن المقاطعة انتهت في أكتوبر الماضي مع نهاية الانتخابات النيابية، إلا أن ذلك لم يحصل فعلا، بل على العكس منه، فقد انعكس موقف المقاطعة على جميع مواقف الجمعيات السياسية وعلى تحالفاتها وخطابها السياسي، وانعكس أيضا وبصورة سلبية ومتوترة على علاقاتها بالآخرين، أفرادا ومؤسسات، وفي مقدمتهم مجلسا النواب والشورى وأعضاؤهما والتيار الداعي إلى المشاركة، بل وعلى كل من وجـّه الانتقادات إلى المعارضة أو تقدم برأي مخالف لرأيها.

وبعبارة أخرى، أصبحت المقاطعة هي موقف سياسي استراتيجي للجمعيات المقاطعة يحدد علاقاتها وأنشطتها وأساليبها. إذ طالبـــت هذه الجمعيــــات الأربع، بضرورة إصدار تعديــــلات على دستور 2002 (والعودة إلى مكتسبات دستور 1973) واعتبرته شرطا لدخولهـــا الانتخابات النيابية.

في أكثر من مناسبـة وجهتُ إلى بعض المحامين البحرينيين (الخبراء الدستوريين) المتصدين للمســألة الدستوريـــة، هذا السؤال: «ماهو الحل إذن؟ نريد حلا ومنفذا قانونيا أو دستوريا نقترحه على الدولة؟ فرد عليّ بعضهم: «السلطة تعرف الحل، إلغاء دستور 2002 وإعادة دستور 1973» وأردفت سؤالي بسؤال آخر: وكيف يتم ذلك؟»: فكان الجواب «من خلال مرسوم ملكي يصدره جلالة الملك»... هكذا كان الجواب بكل بساطة ومن دون تفسير لقانونية أو دستورية هذا الإجراء. فهل يتم هذا الإجراء بحسب مواد دستور 1973 أم دستور 2002؟ وإذا قبلنا وقبل جلالة الملك بهذا الإجراء أفلا يعني ذلك أننا أسسنا لسابقةٍ دستورية لها قوة القانون الدستوري تعطي لجلالة الملك في أي وقت يشاء الحق في التدخل من خلال مراسيم ملكية لإجراء أي تعديل على الدستور أو إلغاء الدستور من دون الرجوع إلى السلطة التشريعية ومن دون اتباع القوانين التي نص عليها الدستور أيا كان هذا الدستور؟ وكيف نفسّر للعالم وللمجتمع الدولي أن نظامنا السياسي رجع ثانية إلى إمارة يحكمها أمير بعد أن كان مملكة دستورية يحكمها ملك؟

المشكلة كما نراها هنا، هي أن الداعين إلى المقاطعة لم يطرحوا حلولا عملية، واكتفى الكثير منهم بتوجيه الانتقادات وتبادل الاتهامات مع كل من اختلف معهم في الرأي وإسقاطه في دائرة الخيانة والعمالة وغير ذلك من الأوصاف التي لا تليق بثقافة الحركة الوطنية ورموزها الشرفاء. المشكلة أيضا أن الطرفين، المقاطع والمشارك، متفقان على أهمية إجراء التعديلات على دستور 2002، لكن مع اختلاف رؤيتهما في الكيفية: فبينما يرى الطرف الداعي إلى المشاركة: إمكان تحقيق ذلك من تحت قبة البرلمان من خلال اختبار آليات السلطة التشريعية وامتحان العلاقة ما بين الغرفتين، بل ويرى ضرورة قطع شوط من التعامل والتعاون ما بين السلطات الثلاث وتجاوز حال الريبة والخوف ما بين السلطة السياسية والحركة الوطنية، يرى الطرف الداعي إلى المقاطعة: ضرورة إجراء التعديلات على الدستور أولا ويرى أن هذا مبدأ يجب عدم الحياد عنه، ويعتقد أن السلطة التشريعية بحسب دستور 2002 ستكون منزوعة الصلاحيات ولن تكون سلطة مستقلة عن هيمنة السلطة التنفيذية ما يخل بمبدأ الفصل ما بين السلطات، وان التهاون في هذا المطلب الدستوري فيه إهدار لدماء الشهداء... إلخ.

وفي اعتقادنا أن كلا الرأيين جاء بتبريرات منطقية ومقنعة، إلا أننا نرى أيضا أن مسألة بناء جسر من الثقة ما بين السلطة السياسية والحركة الوطنية في هذه المرحلة الفتية من عمر المملكة الدستورية تظل مسألة ضرورية ومهمة جدا لحسم هذا الجدل، وأن بناء هذه الجسور واختبار هذه الثقة لن يتما بصورة مناسبة ما لم تتمتع الحركة الوطنية بروح المغامرة فتخوض العملية الانتخابية وتختبرها من الداخل وتثبت للناخب وللمشرّع صحة تحليلاتها وتفسيراتها.

عموما، ردود الفعل الرسمية التي جاءت حول هذا المخرج الذي طرحه خبراؤنا الدستوريون كانت واضحة. فقد كرّر الخطاب الرسمي أن أي تعديل على الدستور يجب أن يتم من تحت قبة البرلمان ومن خلال آليات دستور 2002. فما العمل إذن؟ السؤال هنا موجّه إلى الطرفين، إلى الحكومة وإلى الحركة الوطنية، هل تمارس الجمعيات المقاطعة ضغوطها المحلية والدولية على الدولة لكي تستجيب لمطلب التعديل الدستوري بحسب السيناريــو الذي طالبت به؟ وما طبيعة هذه الضغوط وما الذي يضمن أن جمهور المقاطعيـن، وخصوصا الشبـــاب الذين استبد بالكثير منهم اليأس والحرمان بسبب البطالة والفقـــر وأصناف التمييز، ما الذي يضمن عدم إساءة فهمهم لخطاب الجمعيات المقاطعة ونفاد صبرهم وانفلاتهم بصورةٍ تستفز القبضة الحديد وترجعنا جميعا إلى المربع رقم واحد؟ هل استطاعت الحكومة أو الجمعيات المقاطعة ضبط مشاعر العاطلين الذين تحركوا بصورة عفوية، قبل قرار المقاطعة، وانفلتوا هنا وهناك؟ ألم تكرر الجهات الرسمية دعواتها مثلما كرّرت الجمعيات نداءاتها لهم بضبط النفس ولكن من دون جدوى؟ وما مسئوليتنا ومسئولية كل مواطن غيور على وطنه في معالجة هذا التوتر الجديد؟ هل هي فقط مسئولية وتكليف الجمعيات السياسية والحكومة أم ان الجميع يتحمل قدرا من المسئولية؟ هل نصمت صمت الشيطان الأخرس، أم ان تكليفنا الشرعي وواجبنا الوطني يحتمان علينا المساهمة في استكشاف حلول ومنافذ تخرجنا جميعا من هذه المرحلة المتوترة من دون زعزعة أمننا واستقرارنا الذي افتقدناه سنوات طويلة؟

فكرة «التوافق الوطني عبر بوابة مجلس الشورى» تتلخص في الآتي: بما أن المعضلة التي توقفت عندها الحركة الوطنية هي وجود غرفة معينة من جلالة الملك (مجلس الشورى) تزاحم الغرفة المنتخبة من الشعب (مجلس النواب) في صلاحية التشريع وتتساوى معها في عدد الأعضاء، بل وتتفوق عليها في رئاسة الجلسة المشتركة التي يرأسها رئيس مجلس الشورى تحت مظلة مشتركة يطلق عليها (المجلس الوطني)، مادام الأمر كذلك فلماذا لا نتناول هذه الغرفة المعينة، ونقلـّبها يمينا وشمالا، حتى نقلـّص من تزاحمها مع الغرفة المنتخبة شيئا فشيئا. فهي غرفة ينفرد جلالة الملك، من دون تدخل من السلطة التشريعية، بالحق المطلق في صوغها وتشكيلها من خلال مثلا: تعيين من يشاء والعدد الذي يشاء في أي وقت يشاء أو تحديد إخضاعها لأسلوب الانتخاب أو التعيين، من دون مساءلة من أي طرف وفي أي وقت وتحت أي ظرف. لهذا قامت المبادرة المذكورة بوضع خيارات وحلول متعددة أعددتها في الورقة المذكورة وقمت بتمريرها في الساحة بهدف استمزاج آراء المهتمين بالشأن السياسي وفي مقدمتهم الجمعيات السياسية. ونزعم أن الورقة حظيت باستحسان غالبية من تشاورنا معهم واستمزجنا آراءهم، ومن بينهم شخصيات بارزة في صفوف جمهور المقاطعة نفسه. وتتلخص الخيارات والحلول التي طرحناها في الورقة في الآتي:

1- مناشدة جلالة الملك تقليص عدد أعضاء مجلس الشورى من 40 عضوا إلى 20 أو 30 عضوا بصورة متدرجة عبر السنوات القليلة المقبلة، وذلك بهدف زيادة نسبة المنتخبين من الشعب (النواب) على ممثلي جلالة الملك.

2- تأسيس مبدأ انتخاب نصف أو كل أعضاء مجلس الشورى بصورة مباشرة أو غير مباشرة. مثلا يتم ترشيح 500 مرشح من الجمعيات السياسية والمهنية والاقتصادية والنسائية، واعتماد هذه (القائمة المدنية) لدى جلالة الملك مع (قائمة ملكية) أخرى يختارها جلالته ويستخلص منها قائمة أعضاء مجلس الشورى، بحيث تزيد النسبة المختارة من القائمة المدنية على 50 في المئة من مجموع القائمتين.

3- إعطاء الضوء الأخضر إلى المجلس الوطني، بغرفتيه المنتخبة والمعينة، ومباركة خطواته، لمناقشة التعديلات الدستورية خلال دور الانعقاد الثاني وإقرارها قبل الانتخابات النيابية المقررة في العام 2006.

4- إعادة صوغ خريطة الدوائر الانتخابية، بصورة أكثر عدالة وتعبيرا عن الأوزان السكانية والجغرافية.

5- على المدى العاجل، تطوير فعالية مجلس الشورى وصورته العامة لدى الرأي العام، من خلال استبدال عدد من أعضاء المجلس وتطعيمه بكفاءات جدد في المجلس، مشهود لها بالاستقامة والكفاءة والخبرة والاعتدال، ولها مساهمات وخبرات جيدة في مختلف الحقول: القانونيــة والاقتصاديــة والمهنية (مجلس الشورى الحالــي ليس فيـــه ولا قانوني واحد!) وأن يغلب على سجلها الاجتماعي والمهني النزاهة والصدقية، ما من شأنه تطوير دور مجلس الشورى وصورته العامة، ويؤدي إلى اطمئنان المواطن لأعضائه ووزنه السياسي، وتبديد مخاوفه وتوجسه من هذا المجلس المعين.

6- وقد تلقيت بعض المقترحات الجادة من ثلة من الشخصيات الوطنية طلبوا مني تضمينها في ورقتي، أحد هذه المقترحـــات يدعو إلى «استكشاف صيغة لمخرج دستوري يعطي لجلالة الملك تبريرا دستوريا لإجراء التعديلات الدستورية المنشودة، أو دعم ولادتها من خلال السلطة التشريعية، وإقرارها، قبل الانتخابات النيابية المقررة في العام 2006».

7- مقترح آخر دعا إلى «حصر دور مجلس الشورى في تقديم الاستشارات فقط وترك صلاحيـــة التشريع حصرا لمجلس النواب»، فقمت بتضمين كلا المقترحين في الورقة.

مصــــدر في مجلــــس النــواب أشـــاد بالورقــــة وقدرتهــــا على استكشـــاف مخــــارج دستوريــة صحيحة، وأكـّد لنا أن الورقـــة «جذبت الاهتمامات العليا وأن تعليمات صدرت بمناقشتها على مستوى رفيع جدا مع المسئولين والخبراء الدستوريين في الدولة» ما يعكس اهتمام الدولة ومتابعتها المستمرة لكل مقترحات جادة وعمليـّة، ولاسيما المقترحات التي تم تداولها على مستوى عريض في الساحة وحصلت على تفاعل واضح من مختلف أطياف الرأي العــام البحريني. إلا أن المصدر لا يعرف إلى أين انتهى المطاف بهذه الورقة.

أخبار اجتماع الفقيه الدستوري (المصري) أحمد كمال أبوالمجد مع مجموعة من الشخصيات الوطنية التي اصطلح على تسميتها «لوبي الدستوريين البحرينيين» كانت خطوة جديرة بالاحترام والتقدير. الاجتمــاع الودّي حصل أثناء وجود أبوالمجد في البحرين لحضور مؤتمر التقريب بين المذاهب الإسلامية. يقال، والعهدة على الراوي، أن الخبير الدستوري أبوالمجد انتقد موقف المقاطعة الذي تبنـّاه التحالف الرباعي وذكر لمضيفيه في قرية الجنبية أن (الدولة) في أيٍ من بلدان العالم، لا تسمح بتمريغ هيبتها بهذه الصورة، وأن على الجمعيات السياسية المقاطعة إعادة النظر في موقفها من دستور 2002. أحد الدستوريين البحرينيين الذين حضروا اللقاء أكد لي أن أبوالمجد لم ينتقد قرار المقاطعة بل تحدث بشكل عام عن جوهر المسألة الدستورية، وكان حريصا على التجربة البحرينية وعلى هيبة الدولة والمقاطعين معا. وأضاف أنهم دعوا الفقيه إلى إصدار خطاب مكتوب للجمعيات السياسية وللدولة يتضمن رأيه الدستوري... التفاصيل عن هذا اللقاء تكاد تكون شحيحة ومتكتمة، لكنها على الأقل عكست لنا تعطش الحركة الوطنية ورموزها الشرفاء وسعيهم المستمر نحو استكشاف منافذ وحلول دستورية أو سياسية تحفظ للحركة الوطنية وللدولة كرامتهما وهيبتهما وتبرهن على نواياهما الطيبة ورغبتهما الصادقة في التعامل بأساليب حضارية وعقلانية، أساسها الحوار المتبادل، بدلا من العنف المتبادل ، وقدرتهما على تجاوز التحديات وضبط الأمور في محيط ميثاق العمل الوطني

العدد 446 - الثلثاء 25 نوفمبر 2003م الموافق 30 رمضان 1424هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان

اقرأ ايضاً