العدد 2670 - الأحد 27 ديسمبر 2009م الموافق 10 محرم 1431هـ

2012... نهاية العالم!

وليد نويهض walid.noueihed [at] alwasatnews.com

كاتب ومفكر عربي لبناني

الشريط السينمائي الهوليوودي «2012» الذي بدأ عرضه عالميا منذ النصف الثاني من العام الجاري يتوقع نهاية العالم تأسيسا على المزج بين أساطير حضارات أميركا اللاتينية القديمة وحكاية الطوفان وسفينة سيدنا نوح. فكرة الفيلم تعتمد على خرافة حاولت الجمع بين رؤية أسطورية تقول إن أميركا سيتولى رئاستها رجل أسود في العام 2009 وسيكون الرئيس الأخير للولايات المتحدة لأن الكون سينتهي في عهده ولن يتبقى منه سوى قلة ناجية من البشرية كلها.

سيناريو الفيلم الخرافي اعتمد تقنية عالية لتصوير مشاهد دمار المدن وخراب المعالم وتحطم الجسور والأنفاق والمطارات والموانئ وفيضان المياه وانجراف التربة وانخفاض الجبال وارتفاع الهضاب وصولا إلى نهاية العالم المعاصر وبداية عالم جديد وخريطة جغرافية مغايرة للمألوف. السيناريو أيضا ربط بين ما كانت تردده أساطير حضارة المايا من توقعات وإشارات ورموز للنهاية وبين التحولات البيئية والمناخية التي يشهدها العالم في حاضرنا ويتوقع العلماء أنها ستؤدي إلى توازن الطبيعة.

تبدأ أخبار الكارثة بالوصول إلى الأرض حين تلتقط أجهزة الرصد ذبذبات تؤشر إلى وجود متغيرات في أشعة الشمس في العام 2009 وهي ستأخذ بالتصاعد إلى أن تبلغ حدها الأقصى في العام 2012 الأمر الذي يؤدي إلى تفسخ الأرض واندفاع البراكين وانفجار سلسلة من الزلازل وانزلاق التربة وذوبان الثلوج وتعرض كل الدول والأمم إلى موجات تسونامي تقضي على حياة البشرية من دون استثناء. حتى المرتفعات والجبال الشاهقة لن تكون بمنأى عن اندفاع المياه التي ستغمر الأرض كلها قبل أن تستقر مجددا كما حصل للكون في زمن نوح وسفينته خلال فترة الطوفان.

الفيلم يعتمد على حكاية الطوفان ليأخذ من سفينة نوح عبرة للإنقاذ. فالعلماء الذين توقعوا حصول الكارثة بعد ثلاث سنوات طالبوا الدول المعنية بوجوب الإسراع في بناء سفن هائلة الحجم وقادرة على تحمل صدمات موجات تسونامي بهدف إنقاذ ما يمكن إنقاذه من علوم واختراعات وتحف ونماذج صغيرة من الكتب وعينات من البشر حتى تكون عارفة وقادرة على إعادة تأسيس حضارة الإنسان بعد مرحلة الطوفان.

خلال السنوات الثلاث تم بناء أربع سفن بكلفة مئات المليارات من الدولارات جمعت سرا من موازنات الدول الكبرى وأغنياء العالم. وتم اختيار مرتفعات جبال هملايا (قمة إفرست) في الصين لتكون المكان الذي تبنى فيه السفن باعتباره الأعلى في العالم والأخير في مواجهة صدمات تسونامي.

بدأت النهاية في موعدها وأخذ العالم ينقلب ويتقلب وتتغير مساحته وخريطته وصولا إلى السفن الحصينة والمدرعة والمجهزة لحماية تلك العينات الثنائية (أنثى وذكر) التي اختيرت من كل شعوب العالم وحضاراته وألوانه وثقافاته وحيواناته لتتحول إلى شواهد على ولادة جديدة للحضارة الإنسانية.

فكرة السيناريو مخيفة فهي حاولت قدر الإمكان الدمج بين الحكايات والأساطير من جانب والبناء عليها لتصوير مشاهد نهايات وبدايات من جانب آخر. واستطاع الفيلم أن يربط بين عالم يتهاوى وآخر يرتفع مكانه كما حصل في الماضي السحيق (الطوفان وسفينة نوح).

فكرة نهاية العالم ليست جديدة في فضاء الأساطير والحكايات ولكنها تحولت في عصر التقدم التقني والعلمي وتطور الاكتشافات والاختراعات إلى مادة يمكن تطويعها حتى تكون معقولة ومقبولة لدى الشعوب. فالعلوم والتقنيات التي حققت خطوات مذهلة في التقدم أخذت تعقلن الأساطير وتعلمن الخرافات وتتعايش معها وتعيد تشكيلها في إطار منطقي تتقبله العقول المعاصرة ومنطق الإنسان الحديث. وهذا بالضبط ما نجح سيناريو الفيلم في تصنيعه اعتمادا على الماضي.


العلم والأسطورة

إعادة إنتاج الحكايات والأساطير مسألة باتت مرتبطة بالعلوم والاختراعات والاكتشافات في عالم يتغير يوميا ويتكيف مع تحولات جارية في البيئة والحياة. وهذا الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل بناء على الأساطير والتوقعات يشكل مادة حيوية للنقاش والرد على مقولات حداثية كانت تتوهم سابقا أنَّ تقدُّم العلوم والتقنيات سيؤدي آليا إلى تراجع الأساطير والحكايات والخرافات. ولكن ما أنجز من اختراعات واكتشافات منذ ستينات القرن الماضي أدى إلى حدوث انقلاب في التفكير المعاصر نقل العالم من حقبة الميكانيك (الآلة) إلى حقبة التقنيات (الكومبيوتر). وساهم الانقلاب في عالم الصناعة في تعديل مجرى تفكير البشر حين أخذت الاكتشافات العلمية والاختراعات التكنولوجية بنقل الإنسان من عصر الثورة الصناعية الأولى التي هبت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى عصر الثورة الصناعية الثانية التي ولدت في النصف الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الجاري. فالانتقال من الآلة الميكانيكية (التطور) إلى الشريحة المبرمجة (البداية والنهاية) وصولا إلى اكتشاف خريطة الحياة (D.N.A) وقراءة تاريخ الفرد (البشر) وتحديد مساره بين الولادة والموت أعاد الاعتبار للأسطورة وتلك الحكايات المنقولة عن الماضي البعيد.

تقدم العلوم التقنية والتكنولوجية والاكتشافات واختراعات المختبرات باتجاه تأكيد ما ورد من حكايات وأساطير في الكتب القديمة عزز فكرة المصالحة بين العلم والدين وأعاد التفكير البشري إلى تصحيح أو نقد أو تجاوز مقولات تأسست على الصراع بين الحقلين.

انتقال العلوم من منطق التطور (الميكانيك) إلى منطق البرمجة (الخط البياني المرسوم للبداية والنهاية) ساهم خلال العقود الأربعة الأخيرة في إنعاش الأساطير وتعويم الحكايات والخرافات وأطلق موجات أصولية بدأت تنشط وتزدهر في مختلف الديانات والثقافات. فالعودة إلى الأصول والينابيع الأولى والمواد الخام في عصرنا جاءت بناء على ما أفرزته الاختراعات العلمية والمختبراتية وما أنتجته الاكتشافات من تقنيات مبرمجة ومخططة من أولها إلى آخرها (الألف والياء).

هذا التحول الكبير في تطور حقول العلم يفسر إلى حد كبير ذاك النمو الأسطوري لعالم الأصوليات وشبكاتها معطوفا على ما ينتجه العقل البشري من كتب تتحدث عن نهاية الكون وانهيار الحضارات وانقراض الإنسان. وفيلم «2012» ليس الوحيد الذي تطرق إلى هذا الموضوع في السنوات العشر الأخيرة. فهناك مئات السيناريوهات وآلاف الكتب وعشرات المنجمات والفلكيات التي تحدثت عن توقعات ستحصل وتهز العالم وتغيره في القريب العاجل وذلك بناء على رموز وإشارات الأساطير والحكايات واعتمادا على الاختراعات والاكتشافات العلمية والتقنية والطبية المعاصرة. فالتعانق بين الأسطورة والعلم أعاد إنتاج أصوليات ومتخيلات وتوهمات أخذت تنتشر وتمتد وصولا إلى اقتحام إستديوهات السينما في هوليوود.

إقرأ أيضا لـ "وليد نويهض"

العدد 2670 - الأحد 27 ديسمبر 2009م الموافق 10 محرم 1431هـ





التعليقات
تنويه : التعليقات لا تعبر عن رأي الصحيفة

  • أضف تعليق أنت تعلق كزائر، لتتمكن من التعليق بـ3000 حرف قم بـتسجيل عضوية
    اكتب رمز الأمان
    • زائر 5 | 2:50 م

      زائر

      الله يستر اخرتنا وان شاء الله يكزن هذا الكلام صحيح

    • زائر 4 | 6:52 ص

      عجل بالظهور فقد طال التصبر

      هالفلم خاطري اشوفه الكل يتكلم عنه
      عجل بالظهور يامهدينا
      طالت الغيبه علينا

    • زائر 3 | 3:53 ص

      الخريطة 2012

      هذي وصلة فيها خريطة العالم المتصورة 2012 واويلاه البحرين مو موجودة , مالينا الا نسافر العمرة واذا ضلت البحرين سالمة رجعنا ولا اذا راحت نقعد نطر ونبيع عطر وعود هناك على كيف كيفك. http://www.youtube.com/watch?v=cZPB1TaF83A

    • مواطن مستضعف | 10:47 م

      قلّة إيمان

      ما يدفع لتصديق مثل هذه الخزعبلات والخرافات هو: قلّة الإيمان بالله تعالى. مع وافر التحية أستاذ وليد

    • زائر 2 | 10:04 م

      هذه من علامات ظهور الإمام المهدي (عج)

      ما نراه من احتباس حراري و غيره من كوارث و تسونامي و أعاصير يؤكد قرب نهاية العالم و بالتالي قرب الظهور الشريف. اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه و على آبائه، في هذه الساعة و في كل ساعة، وليا و حافظا، و ناصرا و قائدا، و دليلا و عينا، حتى تسكنه أرضك طوعا، و تمتعه فيها طويلا. برحمتك يا أرحم الراحمين و صلى الله على محمد و آله الطاهرين.

    • زائر 1 | 8:50 م

      ونريد أن نمن على اللذين استضعفوا في الأرض

      ونحن كعرب ومسلمين نؤمن بأن المسيح(ع) سينزل الأرض حينما ينتشر الظلم وينعدم العدل والاحسان. والمسلمون يؤمنون انه ستكون حرب في آخر الزمان يهلك فيها ثلثا البشرية، ويبقى ثلث صالح يعيد إعمار الارض ، وعندها يسود العدل والوئام. ``ونريد أن نمن على اللذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين``

اقرأ ايضاً